عليه تسليم وداع وأشفق لعلقه « 1 » المضاع . واعلم أن صدعه كصدع الزجاجة أعيا الصناع « 2 » . فيا له مغنى هجر على برد موقعه وبقلا « 3 » زهد فيه على شرف موضعه : . . . ولم يبق إلّا من قدّمت نعوته وحلاه ، ووصفت حذوه ، وحذيّاه « 4 » ، وأغناني ما صدّرت « 5 » به عن إعادة ذكراه . . . فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلّوا .
ومن الأمر المعجب والخطب المغرب « 6 » أنّهم يدّعون - على جهلهم وما بيّنت من وصفهم - الترؤس في الأدب من غير رياسة ، والمنافسة لأهليه من غير نفاسة ، ومناقضة ذوي العلم باللسان بالهذيان « 7 » حين آنسوا « 8 » عدم المنتقد وفقدان المفتقد .
. . . وتفسير ما أجملته وتفصيل ما أبهمته أورده عليك محلول العقدة منضوّ البردة « 9 » . وذلك أن إقبال الدولة - أيّده اللّه - أمرني بإنشاء رسالتين إلى مصر .
فلمّا علت شرفاتهما وروّضت عرصاتهما « 10 » ، ورد عليهم منهما المقيم المقعد « 11 » . وكاد يهلكهم الحسد . . . وطاروا طيران الفراش حول النار وجالوا جولان الذباب بين الأزهار ، مرّة يستفتون الفقهاء ، ومرّة يستشهدون السفهاء . ومرّة يقولون : هذا يسأل
هامش
( 1 ) أندب العلم ( الآن ) : ابك عليه ( لأنّه ضاع في هذا الزمان ) . الطلل ( مكان الخيمة بعد أن ترفع من مكانها - لم يبق من العلم إلّا آثار يسيرة ) . العلق : الشيء النفيس .
( 2 ) الصدع : الشقّ . أعيا : أعجز . الصناع : البارع في صناعته ( والزجاج إذا تكسّر لا يعود إلّا إذا سبك من جديد ) .
( 3 ) المغنى : المنزل المسكون . البقل : النبات الصالح لطعام البشر .
( 4 ) الحذو : جعل الشيء على قياس معلوم . الحذيّا ( ما كان قريبا منك ) - وصفته هو وما يتصل به .
( 5 ) صدّرت به ( أوردتّه في صدر رسالتي ) .
( 6 ) المعجب ( الذي يتعجّب منه الناس ) والخطب ( المصيبة ) المغرب ( المستغرب عند الناس ) .
( 7 ) الهذيان : الكلام المضطرب الخارج على المعقول ( من أثر مرض أو نحوه ) .
( 8 ) آنسوا : أبصروا ، علموا .
( 9 ) منضوّ : مخلوع البردة ( غير لابس ثيابه ) ، بصراحة .
( 10 ) الشرفة : شبه نافذة بارزة يطلّ الناس منها على ما هو خارج بيوتهم . روّض : كثر النبت ( في المكان ) .
العرصة ( بالفتح ) : الباحة الواسعة أمام الدار ، أو بالعراء ( في الخلاء ) - يقصد : لمّا ظهرت براعته في رسائله .
( 11 ) المقيم المقعد : ( الهمّ الذي يجعل صاحبه مضطربا لا يستقرّ من الغضب أو الفزع . . . )