يا هل بكيت كما بكت * ورق الحمائم في الغصون « 1 » ؛
هتفت سحيرا والربى * للقطر رافعة الجفون « 2 » .
فكأنّها صاغت على * شجوي شجى تلك اللحون « 3 » !
ذكّرنني عهدا مضى * للأنس منقطع القرين . « 4 »
فتصرّمت أيّامها * وكأنّها رجع الجفون « 5 » .
- وقال في النسيب :
إنّي أحبّك حبّا ليس يبلغه * همّي ، ولا ينتهي فهمي إلى صفته .
أقصى نهاية علمي فيه معرفتي * بالعجز منّي عن إدراك معرفته .
- الشعر المطبوع والشعر المصنوع ( من كتاب زهر الآداب ) :
الشعر مطبوع ومصنوع . فالمطبوع الجيّد الطبع مقبول في السمع قريب المثال بعيد المنال ، أنيق الديباجة رقيق الزجاجة يدنو من فهم سامعه كدنوّه من وهم صانعه . والمصنوع مثقّف الكعوب معتدل الأنبوب ، يطّرد ماء البديع على جنباته ويجول رونق الحسن في صفحاته . وحمل الصانع شعره على الإكراه في التعمّل بتنقيح المباني دون إصلاح المعاني يعفّي آثار الصنعة ويطفئ أنوار الصبغة ! ! ، ويخرجه إلى فساد التعسّف وقبح التكلّف . وإلقاء المطبوع بيده إلى قبول ما يبعثه هاجسه ويثقّفه ! ! وساوسه - من غير إعمال النظر وتدقيق الفكر - يخرجه إلى حدّ المستهدم الرثّ وحيّز المستوخم الغثّ . وأحسن ما أجري إليه وعوّل عليه هو التوسط بين الحالين والمنزلة بين المنزلتين من الطبع والصنعة .
هامش
( 1 ) بكيت ( بفتح التاء ) للتجريد ( إذ يخاطب الشاعر نفسه ) . الورقاء : الحمامة . ورق ( ؟ ) الحمائم : الحمام ( الرماديّ اللون ؟ ) البرّي ( ولعلّه أجمل صوتا ) .
( 2 ) الجفون ( كذا في الأصل ) ، ولعلّها العيون . ( رافعة العيون ) تطلب من اللّه سقوط المطر .
( 3 ) الشجا ( هنا ) والشجو : الحزن والهمّ .
( 4 ) منقطع القرين ( المثيل ، الشبيه ) : عهد الشباب .
( 5 ) تصرّم : انقضى . رجع الجفون ( كناية عن السرعة ) .