شغل البريّة عن عبادة ربّهم * فتن - على دنياهم - وتلاح « 1 » ،
ومحبّة الدنيا التي سلكت بهم * أبدا مع الأرواح والأشباح « 2 » .
كلّ البريّة شارب كأس الرّدى * من حتف أنف أو دم سفّاح « 3 » .
لا تبتئس للحادثات ولا تكن ، * بمسرّة في الدهر ، بالمفراح !
بعدئذ يتساءل نشوان بن سعيد عن ملوك حمير وكيف ذهبوا ( ماتوا ) بعد أن قاموا بأعمال عظيمة وأقاموا لأنفسهم أمجادا في الشرق والغرب ثم يحشّي الأبيات بأخبار منها الموثوق ومنها المرجوح . فمن قوله مثلا :
أم أين شمّر يرعش الملك الذي * ملك الورى بالعنف والإسجاح « 4 »
قد كان يرعش من رآه هيبة * ورنا إليه بطرفه اللّمّاح « 5 »
وبه سمرقند المشارق سمّيت ؛ * للّه من غاز ومن فتّاح « 6 » !
وأتى بمالك فارس كيقاوس * في القيد يعثر مثخنا بجراح « 7 » .
فأقام في بئر بمأرب برهة * في السجن يجأر معلنا بصياح « 8 » ؛
فاستوهبت سعدى أباها ذنبه * فعفا وسيّره بحسن سراح « 9 » .
والأقرن الملك المتوّج تبّع * عرك البلاد بكلكل فدّاح « 10 » ،
هامش
( 1 ) التلاحي : التساب والتشاتم ولوم بعض الناس بعضا .
( 2 ) محبة الدنيا موجودة دائما في البشر ( ما دامت الأرواح في الأشباح - ما دام الناس أحياء ! ) .
( 3 ) الردى : الموت . من حتف أنف : الموت الطبيعي في الفراش . أو من دم سفاح ( مسفوح ، مسفوك ) :
قتلا .
( 4 ) . . . بالعنف مرة وبالإسجاح ( اللين والتساهل ) مرة .
( 5 ) رعش الانسان يرعش ( بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع ) : اهتز ، اضطرب من الخوف أو البرد . هيبة - من الهيبة ( الخوف ) . وكذلك يخافه من رنا ( تطلع ) اليه بطرفه ( ببصره ) اللماح ( الذي يختلس النظر اختلاسا من غير تثبت ) .
( 6 ) سمرقند - مدينة كبيرة في التركستان ( سميت به - سميت باسمه : سمر . . . شمر . . . ) للّه من غاز ومن فتاح : ما أعظمه غازيا للبلاد وفاتحا !
( 7 ) أتى بمالك فارس ( بملك فارس ) كيقاوس في القيد ( أسيرا ) . يعثر ( بفتح الثاء أو كسرها أو ضمها ) :
يتعثر ، يجر ( قيوده ) . مثخنا بجراح : كثير الجراح في بدنه .
( 8 ) حبس شمر يرعش أسيره كيقاوس ( قابوس ) في بئر ، فكان قابوس يستجير بصوت مرتفع .
( 9 ) . . . وما زالت سعدى بنت شمر يرعش تستعطف أباها على قابوس حتّى عطف أبوها عليه وأطلق سراحه وأعطاه مالا وولاه على بلاد فارس على أن يدفع قابوس الخراج لشمر يرعش .
( 10 ) عرك البلاد بكلكل ( صدر ) فداح ( ثقيل ) - أخضع البلاد اخضاعا تاما .