قسما بمن طاف الحجي * ج ببيته شعثا وغبرا « 1 » ،
لولا طلائع لم نكن * نرجو لميت الدين نشرا .
- قال القاضي الرشيد في كتابه جنان الجنان ورياض الأذهان في الشاعر رضيّ الدولة أبي سليمان داود بن مقدام بن ظفر المحلّي ( خريدة القصر - شعراء مصر - 2 : 46 ) :
هو من أبناء الجند بأسفل مصر ، إلّا أنّ همّته سمت به من الأدب إلى دوحة يقصر عنها أمثاله ، ولا يطمع فيها أضرابه وأشكاله « 2 » ؛ وعضده على ذلك جودة الطبع ونفاذ القريحة « 3 » حتى أدرك بعفو خاطره وسرعة بديهته ما لم يبلغ إليه كثرة من أبناء عصره في الدأب « 4 » على اقتناء الأدب . . . .
- لمّا ادّعى القاضي الرشيد الخلافة في اليمن وقبض عليه الداعي ( الفاطميّ ) كتب أخوه القاضي المهذّب إلى الداعي يستعطفه بقصيدة مطلعها : « يا ربع ، أين ترى الأحبّة يمّموا ؟ » ( معجم الأدباء 9 : 50 - 57 ، راجع 4 : 62 ) .
فنظم القاضي الرشيد قصيدة بارعة يعارض بها قصيدة أخيه ( معجم الأدباء 4 : 62 - 66 ) . فمن قصيدة القاضي الرشيد :
أحبابنا ، ما كان أعظم هجركم * عندي ؛ ولكنّ التفرّق أعظم « 5 » .
غبتم ؛ فلا ، واللّه ، ما طرق الكرى * جفني ؛ ولكن سحّ بعدكم الدم « 6 » .
وزعمتم أنّي صبور بعدكم . * هيهات ، لا لقّيتم ما قلتم « 7 » .
وإذا سئلت : بمن أهيم صبابة ؟ * قلت : الذين هم ، الذين هم هم .
هامش
( 1 ) الحجيج - الحجاج ( بضم الجيم جمع حاج ) . ببيته - بكعبته . الأشعث : الملبد الشعر أو المتفرق الشعر ( بلا تمشيط ولا عناية ولا نظافة ) . الأغبر : الذي علاه الغبار ( من طول السفر ) .
( 2 ) الدوحة : الشجرة الكبيرة ( هنا ) : مكانة . الأضراب جمع ضرب ( بفتح الضاد ) والشكل : المثل والصنف والشبيه . - لا يصل أمثاله من الناس إلى ما وصل هو اليه .
( 3 ) عضده : ساعده . نفاذ القريحة : ثقوب الذهن ، صحة النظر في الأمور .
( 4 ) الدأب : المثابرة .
( 5 ) التفرق : اختلاف الرأي . أعظم : أشد ( خطرا ومصيبة ) .
( 6 ) ما طرق ( جاء ليلا ) الكرى ( النوم ) . سح بعدكم الدم : بكيت دما ( بكاء شديدا ) .
( 7 ) هيهات : ما أبعد ذلك ( عن الصواب ) . لا لقيتم ما قلتم : لا أصابكم ما أصابني ( لا قدر اللّه لكم الابتعاد عن أحبابكم ) .