ولحظ سيف الدولة ذلك فالتفت إليه وقال : يا مقيدير ، ما تقول ( في هذا الشعر ) ؟ قال مقدار : أنا أقول خيرا منه . فقال له سيف الدولة : اخرج من عهدة دعواك ( إيت بأبيات خير منها ) . فقال مقدار المطاميريّ في الحال على الارتجال - وكان سكران - هذه الأبيات :
لمّا تناجوا للفراق غديّة * رموا كلّ قلب مطمئنّ برائع « 1 » .
وقفنا - ومنّا حنّة بعد أنّة * تقوّم بالأنفاس عوج الأضالع - « 2 »
مواقف تدمي كلّ عشواء ثرّة * صدوف الكرى إنسانها غير هاجع « 3 » .
أمنّا بها الواشين أن يلهجوا بنا ، * فلم نتّهم إلّا وشاة المدامع « 4 » .
4 - * * الخريدة ( العراق ) 2 : 195 - 218 .
الحريري
1 - الحريريّ - أو ابن الحريري ، على الاصحّ ( معجم الأدباء 16 : 261 ) - هو أبو محمّد القاسم بن عليّ بن محمّد بن عثمان الحريريّ البصريّ الحراميّ ، عربيّ الأصل والمنشأ . كان مولده في حدود سنة 446 ه ( 1054 م ) في سكة ( حيّ ) بني حرام « 5 » في المشان قرب البصرة .
نشأ الحريريّ في البصرة وقرأ فيها الأدب على أبي القاسم الفضل بن محمد القصباني .
وتنكشف مقاماته عن انه درس اللغة والنحو درسا واسعا ودرس الفقه .
ويبدو أن الحريريّ كان من ذوي اليسار فقد كان يملك في البصرة ثمانية عشر ألف نخلة . وكذلك كان من ذوي المرتبة إذ كان « صاحب الخبر » في البصرة نفسها أو في المشان - وصاحب الخبر هو الذي يحمل إلى الخليفة أخبار الناس والجيش والإدارة
هامش
( 1 ) تناجوا : تكلموا سرا . غدية ( تصغير غدوة ) : باكرا في الصباح . رائع : مفزع ، مخيف . رموا كل قلب مطمئن برائع : جعلوا جميع الناس ( حتى الذين لا يعرفون الحب ) خائفين عليهم ( على المتناجين ) .
( 2 ) الحنة : اصدار صوت من الصدر دلالة على الاشفاق والحزن . الأنة : . . . . من الألم . كان تنفسنا ( من ألم الحب ) شديدا وحارا حتى أنه لين عظام ضلوعنا ثم جعلها مستقيمة .
( 3 ) عشواء : عين ( مريضة ) لا تبصر في الليل . ثرة : كثيرة سيلان ( الدموع ) . صدوف : مبتعدة .
الكرى : النوم . انسانها : بؤبؤها . غير هاجع : غير نائم . - كانت حالة المحبين الذين يودع بعضهم بعضا مثيرة للشفقة إلى حد أن كل عين عشواء ( مريضة يضرها البكاء ) تبكي طويلا وتظل ساهرة اشفاقا عليهم .
( 4 ) - نحن لم نتكلم فلم يعلم الوشاة ما نقول فينقلوا الكلام إلى أعدائنا ، ولكن بكاءنا دل على ما نضمره ( من الحب ) .
( 5 ) بنو حرام قبيلة من العرب سكنوا هذه السكة فسميت باسمهم .