ومن القوم من يشير إلى وج * د تبقّى عليه منه القليل
ولكلّ منهم رأيت مقاما * شرحه في الكتاب ممّا يطول .
قلت : « أهل الهوى ، سلام عليكم ! * لي فؤاد عنكم بكم مشغول .
جئت كي أصطلي ، فهل لي إلى نا * ركم هذه - الغداة - سبيل ؟ » .
فأجابت شواهد الحال منهم : * كلّ حدّ من دونها مفلول « 1 » .
كم أتاها قوم على غرّ * ة منها وراموا أمرا فعزّ الوصول « 2 » .
وقفوا شاخصين حتّى إذا ما * لاح للوصل غرّة وحجول « 3 » ،
وبدت راية الوفا بيد الوج * د ، ونادى أهل الحقائق : جولوا « 4 » !
بذلوا أنفسا سخت حين شحّت * بوصال ، واستصغر المأمول « 5 »
يقول فيها :
ثمّ غابوا من بعد ما اقتحموها * بين أمواجها ، وجاءت سيول « 6 » .
قذفتهم إلى الرسول ، فكلّ * دمه في طلولها مطلول « 7 » .
هامش
( 1 ) فأجابت شواهد الحال منهم : لم يتكلموا ولكن فهمنا من الحال التي كانوا فيها أنهم يريدون أن يقولوا . . . ) الحد - حد السيف : الجانب القاطع من النصل ( الجهد المبذول للوصول إلى المعرفة الإلهية ) . مفلول :
مفروض ، مفرض ( مقطع الحد : خسر حدته وقدرته على القطع ) . والمقصود هنا : كل جهد ضائع ، عاجز عن الوصول بصاحبه إلى المعرفة الإلهية .
( 2 ) على غرة منها ( لعلها : على غرة منهم - جهلا منهم ، وقلة اختبار وادراك ) .
( 3 ) شاخصين : متطلعين ( منتظرين حائرين ) . الغرة : البياض في جبهة الفرس . الحجول في القاموس تطلق على معان لا صلة لها بهذا النص ، والشاعر يقصد ( التحجيل ) ( البياض في قائمة أو أكثر من قوائم الفرس ) :
وضحت الطريق وظهر التجلي الإلهي .
( 4 ) أهل الحقائق : العارفون والراسخون في السلوك ( في طريق التصوف ) . جولوا - خوضوا ( تقدموا في السبيل للفناء في اللّه ) .
( 5 ) بذل ( هؤلاء المتصوفون ) بالوصال ( بالاتحاد بها ) نفسهم باستصغر المؤمول ( وكان الذي حصل عليه يسيرا جدا ( تحقق لهم شيء يسير مما كانوا قد توهموه . لا من الحقيقة الإلهية ) .
( 6 ) فلما اقتحموا السبيل للوصول إلى العزة الإلهية للفناء فيها ) غابوا بين أمواجها ( ضاعوا ، لم يصلوا ) . . .
( 7 ) قذفتهم إلى الرسول ( ردتهم إلى أن يقتدوا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فيسيروا على سنته ) .
فكل دمه في طلولها ( الأماكن التي تتجلى فيها العزة الإلهية : عالم الشهادة - الموجودات المادية ) مطلول ( ضائع هدرا ) .