مصادر الحكمة في شعره
لما ورد المتنبّي بغداد تعاظم على أدبائها . واتّفق أن زاره أبو عليّ الحاتميّ فلم يحسن المتنبّي لقاءه ، فوضع الحاتميّ رسالة يعزو فيها نحو مائة من معاني المتنبّي في الحكمة إلى أرسطو « 1 » ؛ ذكر مثلا أن أرسطو قال : « من أفنى مدته في جمع المال خوف العدم فقد أدّى بنفسه إلى الفقر » ، ثم زعم أن المتنبّي سرق هذا المعنى فقال :
ومن ينفق الساعات في جميع ماله * مخافة فقر فالذي فعل الفقر .
ثم زعم أيضا أن أرسطو قال : « خوف وقوع المكروه قبل تناهي المدة خور في الطبع » ، فسرقه المتنبّي فقال :
وإذا لم يكن من الموت بدّ * فمن العجز أن تكون جبانا !
لقد كان ذلك تحاملا من الحاتمي على المتنبّي وتمحّلا بعيدا في تطلّب الشبه بين ما قال أرسطو ، ان صح ذلك ، وبين ما قال المتنبي . غير أنّ هذا لا يعني أن المتنبي لم يقتبس بعض معانيه في الحكمة وغير الحكمة من أحد ، فإنّ كتب البلاغة والنقد والأدب مملوءة بمآخذ الشعراء وسرقات بعضهم من بعض .
لحكمة المتنبّي مصادر أشهرها وأهمها أسفاره وتجاربه واحتكاكه بالناس . ثم إنه اطّلع على بعض الآراء في الكتب فأعجب بها وأخذها .
ولعل المتنبّي قرأ في كتاب الحيوان للجاحظ « أن الجعل « 2 » متى دفنته في الورد سكنت حركته في رأي العين » فقال عن قصائده :
بذي الغباوة من إنشادها ضرر * كما تضرّ رياح الورد بالجعل .
ويبدو أيضا أنّ المتنبّي قرأ في كتاب كليلة ودمنة « إذا لقي الرجل عدوّه في المواطن التي يعلم فيها أنه هالك سواء أقاتل أم لم يقاتل ، كان حقيقا أن يقاتل عن نفسه حفاظا وكرما » ، فقال وأحسن في الإيجاز وفي التعبير :
هامش
( 1 ) راجع ترجمة الحاتمي ( ت 388 ه ) . وأرسطو أو أرسطوطاليس فيلسوف يوناني ( ت 322 ق . م . ) .
( 2 ) الجعل : دويبة صغيرة سوداء كريهة المنظر والرائحة ( خنفساء ) .