ومن الحكم المتوالية في قصائده قوله :
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ، * وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم .
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى * حتى يراق على جوانبه الدم .
والظلم من شيم النفوس ، فان تجد * ذا عفّة فلعلّة لا يظلم .
ومن البليّة عذل من لا يرعوي * عن جهله وخطاب من لا يفهم .
والذلّ يظهر في الذليل مودّة ؛ * وأودّ منه لمن يودّ الأرقم « 1 » .
للمتنبّي مقطوعة في الحكمة تامّة نظمها في مصر . ويبدو أنه كان يريد أن ينشدها كافورا ثم لم يفعل :
صحب الناس قبلنا ذا الزمانا ، * وعناهم من أمره ما عنانا « 2 » .
وتولّوا بغصّة كلّهم من * ه وإن سرّ بعضهم أحيانا .
ربما تحسن الصنيع ليالي * ه ولكن تكدّر الإحسانا .
وكأنّا لم يرض فينا بريب ال * دهر حتى أعانه من أعانا « 3 » .
كلّما أنبت الزمان قناة * ركّب المرء في القناة سنانا « 4 » .
ومراد النفوس أصغر من أن * تتعادى فيه وأن تتفاني « 5 » .
غير أنّ الفتى يلاقي المنايا * كالحات ولا يلاقي الهوانا .
ولو انّ الحياة تبقى لحيّ * لعددنا أضلّنا الشجعانا « 6 » .
وإذا لم يكن من الموت بدّ * فمن العجز أن تكون جبانا .
كلّ ما لم يكن من الصعب في الان * فس سهل فيها إذا هو كانا « 7 » .
هامش
( 1 ) الذليل ( المغلوب على أمره ) يظهر الحب لك ، ولكنه يبطن لك عداوة أشد من شداوة الحية .
( 2 ) عناهم : أهمهم ، شغلهم .
( 3 ) من الناس من لا يرى مصائب الدهر كافية ، فيكيد هو أيضا لاخوانه .
( 4 ) كلما نبتت قصبة وضع الناس في رأسها حديدة ( جعلوها سلاحا للقتل ) .
( 5 ) مطالب الناس في الحياة أحقر من أن يعادي بعضهم بعضا من أجلها وأن يفني بعضهم بعضا في سبيل الوصول إليها .
( 6 ) لو كانت الحياة تدوم لأحد لعددنا الشجعان ( الذين يخوضون المعارك ويتعرضون للقتل ) أضل الناس ، أسوأهم رأيا .
( 7 ) الإنسان يستصعب الأمور قبل أن تحدث ، فإذا حدثت وجدها سهلة يسيرة .