وللمتنبّي فخر كثير فيه مبالغة وتعاظم واحتقار لبني دهره ، قال يمدح سيف الدولة ويعاتبه :
واحرّ قلباه ممن قلبه شبم * ومن بجسمي وحالي عنده سقم « 1 » .
ما لي أكتّم حبّا قد برى جسدي ، * وتدّعي حبّ سيف الدولة الأمم .
ان كان يجمعنا حبّ لغرّته * فليت أنّا بقدر الحبّ نقتسم .
يا أعدل الناس إلّا في معاملتي ، * فيك الخصام وأنت الخصم والحكم .
أعيذها نظرات منك صادقة * أن تحسب الشحم في من شحمه ورم .
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره * إذا استوت عنده الأنوار والظلم ؟
سيعلم الجمع ممّن ضمّ مجلسنا * بأنني خير من تسعى به قدم .
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي * وأسمعت كلماتي من به صمم .
أنام ملء جفوني عن شواردها * ويسهر الخلق جرّاها ويختصم « 2 » .
وجاهل مدّه في جهله ضحكي * حتى أتته يد فرّاسة وفم « 3 » .
إذا رأيت نيوب الليث بارزة * فلا تظنّنّ أنّ الليث يبتسم .
الخيل والليل والبيداء تعرفني * والسيف والرمح والقرطاس والقلم .
يا من يعزّ علينا أن نفارقهم ، * وجداننا كلّ شيء بعدكم عدم .
إن كان سرّكم ما قال حاسدنا * فما لجرح إذا أرضاكم ألم .
كم تطلبون لنا عيبا فيعجزكم ! * ويكره اللّه ما تأتون والكرم .
ما أبعد العيب والنقصان من شرفي ! * أنا الثريّا وذان الشيب والهرم « 4 » .
ليت الغمام الذي عندي صواعقه * يزيلهنّ إلى من عنده الديم « 5 » .
إذا ترحّلت عن قوم وقد قدروا * ألّا تفارقهم فالراحلون هم .
شرّ البلاد مكان لا صديق به ، * وشرّ ما يكسب الإنسان ما يصم « 6 » .
هامش
( 1 ) شبم : بارد ، مطمئن .
( 2 ) - أنظم الشعر بسهولة والناس يسهرون الليالي في محاولة فهمه والمجادلة في معانيه .
( 3 ) فراسة : مفترسة ، شديدة الافتراس .
( 4 ) أنا لا آتي ما يعيب الإنسان أو يحط من قدره طبعا وخليقة ، كما أن الثريا لا تشيب ولا تهرم .
( 5 ) سيف الدولة يهددني ويحسن إلى غيري . فليته يهدد الذين يحسن إليهم .
( 6 ) يصم : يعيب . شر مكاسب الإنسان ما كانت مصادرها غير شريفة .