ذكروا بطلعتك النبيّ فهلّلوا لما * طلعت من الصفوف وكبّروا .
حتى انتهيت إلى المصلّى لابسا * نور الهدى يبدو عليك ويظهر .
ومشيت مشية خاشع متواضع * للّه لا يزهى ولا يتكبّر « 1 » .
فلو انّ مشتاقا تكلّف فوق ما * في وسعه لسعى إليك المنبر !
- إيوان كسرى :
لما جاء البحتريّ إلى بغداد في المرة الأولى ولم يلق حظوة فيها أراد أن يبثّ شكواه فذهب إلى المدينة البيضاء أو المدائن ، وهي على عشرين ميلا من بغداد شرقا ، وفيها إلى اليوم بقايا قصر كان لكسرى . ولكن يبدو من وصف البحتريّ أنّ القصر كان لا يزال سالما في ذلك الحين ، وخصوصا بما كان فيه من رسوم لمعركة أنطاكية ، بين الروم والفرس ، تتصل على جدران الإيوان . والأبيات السبعة التي تلي البيت الحادي والعشرين من أحسن نماذج الوصف الحسّي عند البحتريّ :
صنت نفسي عمّا يدنّس نفسي ، * وترفّعت عن جدا كلّ جبس « 2 »
وتماسكت حين زعزعني الده * ر التماسا منه لتعسي ونكسي .
بلغ من صبابة العيش عندي * طفّفتها الأيام تطفيف بخس « 3 » .
وبعيد ما بين وارد رفه ، * علل شربه ، ووارد خمس « 4 » .
وكأنّ الزمان أصبح محمو * لا هواه مع الأخس الأخسّ .
واشترائي العراق خطّة غبن * بعد بيعي الشآم بيعة وكس « 5 » .
لا ترزني مزاولا لاختباري ، * بعد هذي البلوى ، فتنكر مسّي « 6 » .
هامش
( 1 ) زهي الرجل : اغتر بنفسه .
( 2 ) الجبس : اللئيم .
( 3 ) بلغ جمع بلغة : ما يتبلغ به الإنسان ، ما يسد رمقه فقط . طفف : نقص الكيل . البخس : أن تنقص شيئا بعض حقه .
( 4 ) وارد رفه : يشرب الماء متى شاء . الخمس : أن ترد الإبل الماء مرة في كل أربعة أيام لا يدخل فيها اليوم الذي شربت فيه ( فيكون ورودها كل خمسة أيام ) .
( 5 ) - هجرت الشام لأتكسب في العراق فكان أن خسرت الشام ولم أربح العراق .
( 6 ) لا تحاول معرفة وزني ( قيمتي ) بعد هذه البلوى ( المصيبة ، مجيئي إلى العراق ) فترى وزني قليلا جدا .