ومدح عبد اللّه بن المعتزّ سينيّة البحتريّ في إيوان كسرى فقال « 1 » : « ليس للعرب سينية مثلها » .
وذكر ابن رشيق ( العمدة 1 : 204 ) أن البحتريّ كان يصنع الابتداء ( مطلع القصيدة ) سهلا ويأتي به عفوا ، وكان كلّما تمادى ( طالت قصائده ) قوي كلامه . غير أنّ تخلّصه ( انتقاله في القصيدة من غرض إلى غرض - كالانتقال من الغزل إلى المديح مثلا ) رديء في أحيان كثيرة .
أبو تمّام والبحتري
أبو تمّام والبحتريّ من أتباع المذهب الشاميّ « 2 » ، إلّا أنّ أبا تمّام أكثر تكلّفا في الصناعة المعنوية والصناعة اللفظية وأشدّ غوصا على المعاني من البحتريّ :
كان أبو تمّام يوغل في الغوص على المعنى ثم يحاول أن يعرضه عرضا غريبا عن المألوف في صور مبتكرة ، بعدئذ يحاول أن يزحم البيت الواحد من القصيدة بأوجه الصناعتين اللفظية والمعنوية ، كقوله مثلا :
السيف أصدق إنباء من الكتب : * في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب .
بيض الصفائح لا سود الصحائف في * متونهنّ جلاء الشكّ والريب .
أما البحتريّ فكان يتناول الأوجه الظاهرة من المعنى ثم يسوقها في أسهل ما يمكن من التركيب مع الاقتصاد في أوجه الصناعة ، يمثّل ذلك كلّه ما يلي :
( 1 ) وصف أبو تمّام الأرض التي انقطع عنها المطر مدّة فصوّر لنا تلك الأرض العطشى لا تريد أن تصبر حتّى ينزل عليها المطر ، بل أرادت أن لو تنهض هي إلى لقاء ماء المطر قبل أن ينزل هو عليها ، فقال عن السحابة المقبلة تحمل ذلك المطر :
لذّ شؤبوبها وطاب ، فلو تسطي * ع قامت فعانقتها القلوب .
هامش
( 1 ) أخبار البحتري 72 .
( 2 ) راجع ، فوق ، ص 41 وما بعدها .