قال الآمديّ « 1 » : « البحتريّ أعرابيّ الشعر مطبوع وعلى مذهب الأوائل ، ما فارق عمود الشعر قطّ . وكان يتجنّب التعقيد ومستكره الألفاظ ووحشيّ الكلام » . وقال الثعالبيّ « 2 » : « الإجماع واقع على أنه أطبع المحدثين والمولّدين ، وأنّ كلامه يجمع الجزالة والحلاوة والفصاحة والسلاسة » .
وقال فيه ابن رشيق « 3 » : « وأما البحتريّ فكان أملح صنعة « 4 » وأحسن مذهبا في الكلام : يسلك فيه دماثة وسهولة مع إحكام الصنعة وقرب المأخذ لا يظهر عليه كلفة ولا مشقّة » . وقال فيه ابن الأثير : « إن مكانه من الشعراء لا يجهل . وشعره هو السهل الممتنع الذي تراه كالشمس قريبا ضوءها بعيدا مكانها . وهو على الحقيقة قينة « 5 » الشعراء في الإطراب وعنقاؤهم « 6 » في الإغراب » . وكذلك قال الصوليّ « 7 » : « ولا أعرف أحدا بعد أبي تمّام أشعر من البحتريّ ، ولا أغضّ كلاما ، ولا أحسن ديباجة .
وهو مستوي الشعر « 8 » حلو الألفاظ مقبول الكلام » .
والبحتريّ شاعر مكثر متكسّب يحسن المديح ويجيد العتاب ، بل هو أحسن المحدثين عتابا واعتذارا . قال عبد اللّه بن المعتزّ : « واعذاراته في قصائده إلى الفتح بن خاقان ليس للعرب ، بعد اعتذارات النابغة إلى النعمان ، مثلها » . وفخره جيّد قليل ، ورثاؤه وهجاؤه قليلان رديئان .
وغزله عذب جميل ولكنه تقليديّ لا يصدر عن عاطفة . وأحسن خصائصه في الغزل حسن العتاب وبراعة الوصف وذكر الطيف والخيال . أما الفن الذي فاق البحتريّ فيه أقرانه فالوصف بنوعيه وبأوجهه جميعها ، ولقد غلب الوصف على فنون البحتري كلّها وكثرت عنده أوصاف القصور والرياض .
هامش
( 1 ) الموازنة 2 .
( 2 ) ثمار القلوب ، مستشهدا به في أمراء الشعر 194 .
( 3 ) العمدة 1 : 109 .
( 4 ) المقصود : من أبي تمام .
( 5 ) الجارية المغنية ( الجميلة ) .
( 6 ) العنقاء طائر خرافي . يقصد أن شعر البحتري لا يمكن النسج على مثاله .
( 7 ) أخبار البحتري 148 .
( 8 ) متقارب في الجودة ، ليس فيه رديء بالغ ولا جيد بالغ .