- ولعلي بن الجهم قصيدة مشهورة بمطلعها في الغزل مدح فيها المتوكل .
ولا ريب في أنها من أحسن الشعر أيضا :
عيون المها بين الرصافة والجسر * جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري « 1 » .
أعدن لي الشوق القديم ولم أكن * سلوت ، ولكن زدت جمرا على جمر .
ولكنّه أودى الشباب ، وإنما * تصاد المها بين الشبيبة والوفر « 2 » .
وبتنا ، على رغم الوشاة ، كأنّنا * خليطان من ماء الغمامة والخمر .
خليليّ ، ما أحلى الهوى وأمرّه * وأعلمني بالحلو فيه وبالمرّ !
بما بيننا من حرمة ! هل رأيتما * أرقّ من الشكوى وأقسى من الهجر ؟
وما أنس م الأشياء لا أنس قولها * لجارتها : « ما أولع الحبّ بالحرّ ! » « 3 »
فقالت لها الأخرى : « فما لصديقنا * معنّى ؟ وهل ، في قتله ، لك من عذر ؛
صليه لعلّ الوصل يحييه ، واعلمي * بأنّ أسير الحب في أعظم الأسر » .
وأيقنتا أن قد سمعت ، فقالتا : * « من الطارق « 4 » المصغي إلينا وما ندري ؟ »
فقلت : « فتى إن شئتما كتم الهوى ، * وإلّا فخلّاع الأعنّة والعذر » « 5 » .
فقالت : « كأنّي بالقوافي سوائرا * يردن بنا مصرا ويصدرن عن مصر » « 6 » .
فقلت : « أسأت الظنّ ، لست بشاعر ؛ * وإن كان أحيانا يجيش به صدري .
صلي واسألي من شئت يخبرك أنني * على كلّ حال نعم مستودع السر ! »
وما أنا ممّن سار بالشعر ذكره ، * ولكنّ أشعاري يسير بها ذكري .
وما الشعر مما أستظل بظلّه ، * ولا زادني قدرا ولا حطّ من قدري .
ولكنّ إحسان الخليفة جعفر * دعاني إلى ما قلت فيه من الشعر ،
هامش
( 1 ) الرصافة : الجانب الشرقي من بغداد . الجسر : الجسر الذي يصل الرصافة بالكرخ ( الجانب الغربي ) .
( 2 ) أودى ، ذهب ، هلك ، انقضى . الوفر : وفرة الشعر ، كثرته ( في أيام الشباب ) .
( 3 ) . . . . - ما أكثر علوق الحب بالرجل الحر ( النبيل السامي الخلق ) .
( 4 ) الآتي ليلا .
( 5 ) كتم الهوى : صبر على الحب . خلاع الأعنة ( العنان بكسر العين : الرسن ) والعذر ( العذر بضمتين جمع عذار بالكسر : جانب اللحية ) : سلك سلوك الصغار في السن ، انهمك في الغي ، انغمس في الملذات .
( 6 ) . . . . شهرتنا في الشعر ، فأصبحت قصائدك فينا تنتقل من مصر ( بلد ) إلى مصر .