ألا ليت الشباب يعود يوما * فأخبره بما فعل المشيب !
- وقال في التزهيد في الدنيا :
لدوا للموت وابنوا للخراب ، * فكلّكم يصير إلى تباب « 1 » .
لمن نبني ؟ ونحن إلى تراب * نصير ، كما خلقنا من تراب .
ألا يا موت ، لم أر منك بدا . * أتيت وما تحيف وما تحابي « 2 » .
كأنّك قد هجمت على مشيبي * كما هجم المشيب على الشباب .
- وقال يخاطب سلم بن عمرو المعروف بسلم الخاسر ، قيل ورث سلم عن أبيه مصحفا قديما فرهنه عند خمّار :
لقد أيقنت أني غير باق ، * ولكني أراني لا أبالي .
سأقنع ما بقيت بقوت يوم * ولا أبغي مكاثرة بمال « 3 » .
تعالى اللّه ، يا سلم بن عمرو ، * أذلّ الحرص أعناق الرجال « 4 » .
هب الدنيا تساق إليك عفوا ، * أليس مصير ذاك إلى الزوال ؟
خبرت الناس قرنا بعد قرن * فلم أر غير ختّال وقال « 5 » .
وذقت مرارة الأشياء طرا * فما طعم أمرّ من السؤال .
- من « الأرجوزة ذات الأمثال » « 6 » :
حسبك مما تبتغيه القوت ؛ * ما أكثر القوت لمن يموت .
ان كان لا يغنيك ما يكفيكا * فكلّ ما في الأرض لا يغنيكا .
علمت ، يا مجاشع بن مسعده ، * أن الشباب والفراغ والجده « 7 »
مفسدة للمرء أيّ مفسده !
هامش
( 1 ) التباب : الهلاك .
( 2 ) يحيف : يظلم . يحابي : يصانع ، يمالئ شخصا على آخر .
( 3 ) المكاثرة : مباهاة الآخرين بكثرة ( المال أو الأولاد الخ ) .
( 4 ) الحرص : الشره إلى أعراض الدنيا وشدة التمسك بها .
( 5 ) الختال : الذي ينتهز الفرصة ليغدر بغيره ، ويسلب منه شيئا . قال : مبغض .
( 6 ) قيل كانت هذه الأرجوزة أربعة آلاف بيت ( غ 4 : 36 ) لم يصلنا منها إلا أبيات قليلة ؛ ثم استطاع الدكتور شكري فيصل أن يجمع منها نحو ثلاثمائة وعشرين بيتا ( أبو العتاهية : أشعاره وأخباره ، ص 444 - 465 ) .
( 7 ) مجاشع بن مسعدة أخو عمرو بن مسعدة ( ت 217 ه ؛ راجع تحت ) ، وقد كان شابا جريئا قليل المبالاة بالعواقب . الفراغ : اتساع الوقت من غير عمل مفيد . الجدة : الغنى وكثرة المال .