الترديد للمعاني وللتراكيب . ولقد شك المعاصرون لأبي العتاهية ومؤرّخو الأدب من بعدهم في صدق أبي العتاهية في زهده ، واعتقدوا أنه كان يصطنع القول فيه اصطناعا ، حتى قال فيه سلم الخاسر :
ما أقبح التزهيد من شاعر * يزهّد الناس ولا يزهد !
وحمل الناس على الشك في زهده أنه كان بخيلا مقتّرا على أهله وعلى نفسه ، محبّا للّهو حتى بعد انتقاله إلى القول في الزهد . وقد كانت زهديات أبي نواس - عند جميع النقاد - أصدق وأجود .
وقال أبو العتاهية في معظم فنون الشعر ، ولكنه برع في الغزل وفي الزّهد والأمثال ( الحكمة ) .
3 - المختار من شعره :
- قال أبو العتاهية يتغزّل بعتبة :
عيني على عتبة منهلّة * بدمعها المنسكب السائل .
كأنها من حسنها درّة * أخرجها اليمّ إلى الساحل « 1 » .
كأن في فيها وفي طرفها * سواحرا أقبلن من بابل « 2 » .
بسطت كفّي نحوكم سائلا ؛ * ما ذا تردّون على السائل ؟
إن لم تنيلوه فقولوا له * قولا جميلا بدل النائل .
لم يبق مني حبّها ما خلا * حشاشة في بدن ناحل « 3 » .
يا من رأى قبلي قتيلا بكى ، * من شدّة الوجد ، على القاتل !
- قال أبو العتاهية يبكي شبابه :
بكيت على الشباب بدمع عيني * فلم يغن البكاء ولا النحيب .
عريت من الشباب - وكان غضّا - * كما يعرى من الورق القضيب .
هامش
( 1 ) الدرة : اللؤلؤة . اليم : البحر .
( 2 ) في فيها : في فمها . طرفها : عينها . بابل مدينة قديمة كانت قرب الكوفة ، اشتهر أهلها بالسحر .
( 3 ) النائل : العطاء . أناله : أعطاه .