هذه القصيدة المملوءة بالمعاني وبالحكمة :
لعمري ، لقد أشرفت يوم عنيزة * على رغبة ، لو شدّ نفسي مريرها « 1 » .
ولكنّ ضعف الأمر ألّا تمرّه ؛ * ولا خير في ذي مرّة لا يغيرها « 2 » .
تبيّن أدبار الأمور إذا مضت ، * وتقبل أشباها عليك صدورها « 3 » .
ترجّي النفوس الشيء لا تستطيعه ، * وتخشى من الأشياء ما لا يضيرها « 4 » .
ألا إنّما يكفي النفوس ، إذا اتّقت ، * تقى اللّه ممّا حاذرت فيجيرها « 5 » .
ولا خير في العيدان إلّا صلابها ، * ولا ناهضات الطير إلّا صقورها « 6 » .
إذا افتخرت سعد بن ذبيان لم يجد - * سوى ما بنينا - ما يعدّ فخورها « 7 » .
وإنّي لترّاك الضغينة قد بدا * ثراها من المولى فلا استثيرها « 8 » .
مخافة أن تجني عليّ ، وإنّما * يهيج كبيرات الأمور صغيرها !
إذا قيلت العوراء ولّيت سمعها * سواي ولم أسمع بها ما دبيرها « 9 » .
هامش
( 1 ) أشرفت على رغبة : كادت تتم لي رغبة ( زواجي بابنة يزيد بن هشام ) .
( 2 ) المرير : العزيمة ( لو أن عزيمتي استطاعت السيطرة على عاطفتي وعنجهيتي وكبر نفسي ) . المرة ( بكسر الميم ) الفتلة من الفتلات التي تبرم حتى يكون منها الحبل . أغار الحبل : أحكم فتله .
يقول الشاعر : ان الأمر إذا لم يحكم يضعف ثم يفسد ولا تكون له فائدة . ولا خير من فتلات الحبل إذا لم تبرم تماما ( فإنها تتقطع بعد ذلك واحدة واحدة ) وكذلك العزيمة لا فائدة منها لصاحبه إلا إذا كانت أكيدة لا تردد فيها .
( 3 ) حينما تكون الأمور ( القضايا ) مقبلة عليك بصدورها ( بوجهها ) تكون متشابهة يصعب عليك أن تميز بعضها من بعض أو أن تحكم في الصائب منها وغير الصائب . فإذا تولت عنك ( بعد أن تكون قد اخترت واحدة منها اتفاقا ) تعلم حينئذ الذي كان يجب أن تختاره والذي كان يجب أن تتركه .
( 4 ) من عادة الانسان أنه يميل إلى طلب الأشياء التي يصعب عليه الحصول عليها وأن يتخوف ( يرفض ) الأشياء المألوفة التي لا تضره ( يميل الانسان إلى الأشياء الغريبة ولا يأبه للأشياء المألوفة ) .
( 5 ) إذا اتقت ( خافت ) النفوس أمرا تحاذره ( تخشى منه الضرر ) ، فإذا كانت تلك النفوس تتقي اللّه ( تخشى وتعمل بما سن لها ) فان اللّه حينئذ هو الذي يجيرها ( يحميها من الضرور ) .
( 6 ) لا خير في العيدان : الخشب الذي تصنع منه الأدوات ( الرماح ! ) إلا صلابها ( إلا ما كان في منتهى الصلابة ) ولا خير في الطيور التي تنهض ( تستطيع الطيران والصيد ! ) إلا في صقورها ( جمع صقر ) أقوى الطيور على الطيران وعلى الصيد .
( 7 ) - لا يستطيع أحد من بني سعد بن ذبيان أن يذكر من مفاخر القبيلة إلا ما قمنا به نحن ( أهل بيتنا نحن ) .
( 8 ) ثراها : أثرها . المولى : القريب في النسب . استثيرها : أهيجها ، أحركها بعد هدوئها .
( 9 ) - إذا قال أحد عني عوراء ( كلمة قبيحة ) تركت سماعها لغيري ( لم أهتم بها ) ولم ( أحب أن ) أسمع ما دبيرها ( ما نشأ من التعليقات عليها بعد قولها ) .