لعمري ، لئن غالت خراسان هامتي * لقد كنت عن بابي خراسان نائيا « 1 » .
تذكّرت من يبكي عليّ فلم أجد * سوى السيف والرمح الرّدينيّ باكيا ،
وأشقر خنذيذ يجرّ عنانه * إلى الماء لم يترك له الدهر ساقيا « 2 » .
ولكن بأطراف السمينة نسوة * عزيز عليهن العشية ما بيا « 3 » :
صريع على أيدي الرجال بقفرة * يسوّون قبري حيث حمّ قضائيا « 4 » .
ولمّا تراءت عند مرو منيّتي ، * وخلّ بها جسمي ، وحلّت وفاتيا « 5 » ،
أقول لأصحابي : ارفعوني لأنني * يقرّ بعيني أن سهيل بدا ليا « 6 » .
فيا صاحبي رحلي ، دنا الموت فانزلا * برابية ؛ إني مقيم لياليا « 7 » .
أقيما عليّ اليوم أو بعض ليلة ، * ولا تعجلاني قد تبيّن ما بيا « 8 » .
وقوما إذا ما استلّ روحي فهيّئا * لي السّدر والأكفان ثم ابكيا ليا « 9 » .
وخطّا بأطراف الأسنّة مضجعي * وردّا على عينيّ فضل ردائيا .
ولا تحسداني ، بارك اللّه فيكما ، * من الأرض ذات العرض أن توسعا ليا .
خذاني فجرّاني ببردي إليكما ، * فقد كنت قبل اليوم صعبا قياديا !
يقولون : لا تبعد ! وهم يدفنونني . * وأين مكان البعد الا مكانيا « 10 » . ؟
هامش
( 1 ) غالت خراسان هامتي : اغتالت ، قطعت رأسي ، مت في خراسان . لقد كنت عن بابي خراسان نائيا :
كنت قبل ذلك بعيدا عن خراسان ( كان بامكاني أن أتجنب المجيء إليها ) .
( 2 ) أشقر خنذيذ : حصان أشقر اللون خنذيذ ( كثير العرق ، كناية عن كثرة ركضه وسبقه للخيل ) . يجر عنانه إلى الماء : يذهب إلى الماء وحده لأن الدهر قتلني وحرمه إياي .
( 3 ) السمينة : مكان قريب من البصرة . بأطراف السمينة نسوة ( قريبات لي ) عزيز الخ : يصعب عليهن أن أموت غريبا في هذا المكان .
( 4 ) حيث حم قضائي : حيث دنت منيتي وحانت وفاتي .
( 5 ) مرو : عاصمة خراسان . خل جسمي : بلي جسمي ، انحل .
( 6 ) سهيل : نجم جنوبي يرى في اليمن . يقر بعيني . . . أسر إذا رأيت سهيلا ( لأن خراسان بلد شمالي لا يرى سهيل ) .
( 7 ) صاحبا رحله : الرجلان اللذان خلفهما سعيد بن عثمان مع الشاعر . انزلا برابية ( مدة يسيرة ) لأنني أنا سأمكث هنا مدة طويلة ( سأبقى ميتا في هذا المكان ) .
( 8 ) اعتنيا بي هذا اليوم فقط أو هذا اليوم وقسما من ليلته . ثم لا تستعجلا موتي ودفني ، إذ قد تبين أنني سأموت وشيكا .
( 9 ) السدر : نوع من النبات ( المعقم : المطهر ) يغسل به الميت منعا لسرعة فساد الجثة .
( 10 ) لا تبعد : جملة تقال في ندب الميت ( لا تبعد عنا ، لا يكن مكانك بعيدا عنا ) .