ولا يتكلّف صنعة ؛ إلّا أن شعره شديد التفاوت : منه الجيّد البارع ومنه الرديء الساقط . وفنون شعره المشهورة : المدح والهجاء والوصف ، وكان من أوصف الناس للفرس « 1 » ؛ ثم الحكمة . وفي شعره شيء من الإقذاع . ومن العجب أن النابغة الجعديّ كان مغلّبا : ما تعرّض لشاعر بهجاء إلّا غلبه ذلك الشاعر . كان النابغة الجعدي في الجاهلية مع النابغة الذبياني فلم يذكر معه ( لم يشتهر ، بل غطّى عليه النابغة الذبيانيّ ) . ثم هاجى ليلى الأخيليّة فغلبته ؛ وهاجى أوس بن مغراء ( ولم يكن أوس بن مغراء مثله ولا قريبا منه ) فغلبه أوس . وتعرّض في أواخر أيامه لكعب بن جعيل وللأخطل فغلباه . وقد غلبه أيضا من لم يكن من الشعراء ندّا له أمثال عقيل بن خالد العقيلي وسوّار بن أوفى القشيريّ .
وتكثر في شعر النابغة الجعدي الألفاظ الاسلامية . وقيل هو أول من ( ذكر أنّه ) كنى عن اسم من يعنى بغير اسمه ( غ 5 : 27 ) .
3 - المختار من شعره
- قال النابغة الجعدي يرثي ابنا له اسمه محارب ، ويذكر أخا له ( أخا للنابغة ) اسمه وحوح ، وهو في ذلك يخاطب زوجته :
ألم تعلمي أني رزئت محاربا ؛ * فما لك ، بعد اليوم ، خير ولا ليا .
ومن قبله ما قد رزئت بوحوح ، * وكان ابن أمي والخليل المصافيا .
فتى كملت خيراته ، غير أنّه * جواد فما يبقي من المال باقيا .
فتى تمّ فيه ما يسرّ صديقه ، * على أن فيه ما يسوء الأعاديا .
- أتى النابغة الجعدي إلى الرسول وأنشده :
أتيت رسول اللّه إذ جاء بالهدى * ويتلو كتابا كالمجرّة نيّرا .
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا « 2 » ، * وانا لنرجو فوق ذلك مظهرا .
ولا خير في حلم إذا لم تكن له * بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا .
ولا خير في جهل إذا لم يكن له * حليم إذا ما أورد الامر أصدرا .
هامش
( 1 ) راجع في ذلك كله طبقات الشعراء 26 - 27 ؛ الشعر والشعراء 159 - 160 ؛ البيان والتبيين 1 : 206 - 2 : 13 .
( 2 ) مجدنا وجدودنا بلغت الذروة .