تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين — صفحة 844

مساهمون:

ص٨٤٤
الذي عرف به طويلا فمن جملة قوله فيه : " العالم الفاضل الكامل دخل مدينة القسطنطينية في أيام سلطاننا الأعظم وعين له كل يوم سبعين درهما وسكن مدّة في عمارة الوزير محمود باشا قرأت عليه كتبا وباحثت معه في عدة فنون منها علم الجدل والمعاني والبيان والكلام وأجازني . وكان - رحمه اللّه - آية كبرى من آيات اللّه تعالى في الفضل والتوفيق والحفظ والتحقيق ولم نجد شيئا من قواعد العلم أصولها وفروعها إلا وهو محفوظ له وبالجملة كان من مفردات الدنيا وجبلا من جبال العلم الشريف مع لين جانب طارحا للتكلف متصفا بالأخلاق الحميدة وقد اشتغل ببلاده اشتغالا عظيما . وحكى لي بعض مجاهداته في العلم . ثم أنه لما كان من البلاد المعتدلة لم يصبر على شدة الشتاء في هذه البلاد واستأذن من السلطان الأعظم حتى ارتحل إلى مصر القاهرة وعين له هناك المبلغ المزبور " . وبالفعل سافر من إسطنبول بطريق البرّ ودخل حلب وطرابلس ودمشق سنة 944 - واجتمع به علماء وقرأ عليه مشاهير منهم العلاء بن عماد الدين الشافعي والقاضي معروف والشهاب الطيبي وها إليك ما قال فيه تلميذه ابن الحنبلي في تاريخ حلب : كان عالما عاملا تقيا نقيا ذا إدراك زائد عجيب واستحضار غريب حتى أنه كان في قوته أن يقرئ مثل العضد المرة بعد المرة من غير مطالعة بل قيل إنه كان تاركا لها منذ عشرين سنة وكان من دأبه وعادته الاستلقاء على القفا ولو في حالة التدريس وعدم النهوض لمن يرد عليه ولو من الأكابر إلا بعض الأفراد وقليل ما هم ، كل ذلك لما كان عنده من حب الرفاهية والرّاحة والشهامة . ولمّا توجّه من حلب آسف جم غفير ممن رام القراءة عليه من الحلبيين وكنت أنا أجل من أصف وأصدق من به كلفو ! . وأورد من شعره :
أفد عقلك المكدود بالجد راحة * يجم وعلله بشيء من المزح ولكن إذا أعطيته المزح فليكن * بمقدار ما تعطي الطعام من الملح
ولما بارح دمشق ألف تلميذه شهاب الدين الطيبي مؤلفا من قبيل التذكار