منهم في قصورهم " بالعباسية " ثم في " رقادة " وقد نصب لهن آباؤهن معلّمين من خيرة المؤدبين ومعلّمات ليلقنوهن القراءة والكتابة وحفظ جانب من الذكر الحكيم ، وكذا أشعار فحول المتقدمين ، وأسفرت نتيجة هذا التعليم عن نبوغ غير واحدة من الأميرات في الأدب وصوغ الشعر الجيد ، ونكتفي من بينهن بذكر الشاعرة الماهرة " مهريّة " بنت الحسن بن غلبون التميمي المتوفاة في حدود سنة 295 ه ( 908 م ) وقد أوردنا من قولها في غير هذا " 1 " ما دلّ على رقة عاطفتها وخبرتها بسبك القريض الفائق .
وإذا ما عرجنا على تعليم الأمراء والأميرات من بني الأغلب فيناسب أن نسوق أنباء عن حرصهم - هم ومن سبقهم من المهالبة - على تعميم التعليم ونشر وسائله بالتحريض والترغيب بالإقبال عليه " 2 " .
نقل المالكي : " إن الأمراء الأغالبة كانوا يأتون جامع القيروان ليلة نصف شعبان وليلة نصف رمضان ويعطون من الصدقات كثيرا ، ثم يخرجون في حشمهم وأهل بيتهم من الجامع - جامع عقبة - إلى أنحاء المدينة فيزورون دور الزهاد والعلماء ، والكتاتيب والمحارس والدمنة - وهي مستشفى القيروان - فيوزعون عليهم الأموال والعطايا الجسيمة " " 3 " .
وروى المؤلف المذكور : إن هاشم بن مسرور التميمي - من علماء القرن الثالث - كان أول ما تدخل الفاكهة القيروان يقف بالمكتب ثم يقول للمعلّم :
" أخرج إليّ من عندك من الأيتام ، فيشتري لهم الفاكهة ويطعمهم ويدهن رؤوسهم ويقبل بين أعينهم ويقول - ما عسى أن أصنع لكم ، اللهم هذا الجهد مني ! " .
وأمثال هذه الأخبار المروية في شأن تنشيط الأمراء والعلماء والأغنياء لصغار المتعلمين تكاد لا تحصى ، وقد سقنا منها ما يكفي للدلالة على اهتمام الجميع
هامش
( 1 ) المنتخب من الأدب التونسي للمؤلف ص 32 [ المجمل ص 71 ] .
( 2 ) راجع ما كتبناه عن تعليم البنات والجواري وتهذيبهن في فصول من تأليفنا ( شهيرات التونسيات ) ط . تونس سنة 1964 .
( 3 ) رياض النفوس ( خط ) [ 1 : 411 - 412 ] والمعالم 2 - 75 [ 2 : 116 ] .