على أني أميل شخصيا إلى الشك في هذه الحكاية التي يظهر المقصود من وضعها التفكّه وجلب النادرة ، ولا يبعد إن كان تلفيقها في مدة الملوك الفاطميين وكانوا حريصين على الحطّ من شأن من تقدمهم لإظهار مزاياهم ، وتفوّقهم على من سلفهم في حكم البلاد . واللّه أعلم .
وإلا فإنّا نرى كل فرد من أفراد الأسرة الأغلبية - من حين ظهور دولتهم إلى حين انقراضها - يبذل العناية التامة بالتعليم والحث عليه ، ولا نعرف واحدا منهم من لم يقرض الشعر الجيد في سائر أغراض القريض من حماس إلى نسيب ، إلى وصف حال ، إلى تسجيل حكمة .
فهذا إبراهيم الثاني كان قد تعلّم في صغره اللاطينية حتى أتقنها ، وكان يتكلم بها مع فتيانه وجواريه من الصقالبة ، أضف إلى ذلك أنه كان يحسن علم الفلك ويرصد النجوم ويرسم أزياجها وحساباتها على صعوبة مأخذها " 1 " .
ولإبراهيم هذا يرجع الفضل الأكبر والمزية العظمى في تأسيس " بيت الحكمة " القيرواني ، وهو الأول من نوعه في الربوع المغربية بإدخال الغاية يعني عدوة الأندلس . لكن هذه المؤسسة لها عندنا بحث خاص مستقل .
وهذا عبد اللّه الثاني بن إبراهيم المتقدم : كان عاقلا أديبا مشاركا في العلوم ، له نظر جيد في الجدل وعناية باللغة والآداب " 2 " . أخذ ذلك عن كبار أساتذة القيروان مثل أبي العباس القيّار الحنفي وغيره " 3 " .
والأمير محمد بن زيادة اللّه الثاني ، والي طرابلس ، كان عالما ، أديبا شاعرا خطيبا لا ينادم إلا أهل الأدب ، وقد ألف كتبا كثيرة في الأدب والتاريخ منها " تاريخ بني الأغلب " لم يصل إلينا بكل أسف .
على أن التعليم لم يكن مقصورا على الأمراء خاصة بل كان يشمل البنات
هامش
( 1 ) طبقات النحاة للزبيدي [ ص 264 ] .
( 2 ) الحلة ص 263 [ 1 : 175 ] .
( 3 ) طبقات أبي العرب : 197 .