فهذا إبراهيم بن الأغلب التميمي - رأس الأسرة المالكة - كان في صغره وقبل قدومه إلى إفريقية - ممن مارس الدراسة بمصر حتى برع ونبغ ، قال الحافظ ابن الأبار : " كان إبراهيم في أول حالته كثير الطلب للعلم والاختلاف إلى الليث بن سعد الفقيه ، والليث وهب له " جلاجل " أم ابنه زيادة اللّه ، فخرج بها حتى وصل إفريقية " 1 " . وكان إبراهيم من الشعراء المجيدين والخطباء البلغاء والمترسلين البارعين " .
ومن رقيق قوله يتحنّن إلى حليلته ( جلاجل ) وقد تركها بمصر عند قدومه أوّل مرة إلى إفريقية :
ما سرت ميلا ولا جاوزت مرحلة * إلّا وذكرك يثني دائما عنقي
ولا ذكرتك إلّا بتّ مرتفقا * أرعى النجوم كأنّ الموت معتنقي
وابنه زيادة اللّه الأكبر - تولى من سنة 201 إلى 223 ه - " كان أبوه إبراهيم بن الأغلب إذا قدم عليه أحد من الأعراب والعلماء بالعربية والشعراء أصحبهم ابنه زيادة اللّه هذا وأمرهم بملازمته ، فكان أفضل أهل بيته وأفصحهم لسانا وأكثرهم بيانا ، وكان يعرب كلامه ولا يلحن دون تشادق ولا تقعّر ، ويصوغ الشعر الجيد " " 2 " .
وما قيل في زيادة اللّه يمكن أن يوصف به سائر أمراء هذا البيت العربي الصريح ممن تولى الملك أو لم يتوله منهم ، إلّا ما يروى عن خامس أمرائهم وهو محمد بن الأغلب ، فقد قيل إنه كان مبخاتا في سياسته ، منصورا في فتوحه ، إلا أنه كان يجهل النحو والرسم ، فذكروا : " إن رجاء الكاتب - كاتب الدولة - كان يوما بين يديه فكتب الأمير محمد ( لحم ضبي ) بضاد مسقوطة ، فلما خلا المجلس قال له كاتبه : أيّد اللّه الأمير ، الظبي يكتب بظاء مرفوعة ، فقال له الأمير : قد علمنا فيه اختلافا ، فأبو حنيفة يجعله بالظاء ، ومالك يجعله بالضاد ! فعجب رجاء الكاتب من جسارته " " 3 " .
هامش
( 1 ) الحلة السيراء : 228 [ 1 : 93 ] .
( 2 ) ك الحلة السيراء : 252 [ 1 : 163 ] .
( 3 ) ابن العذاري 1 : 100 [ 1 : 107 - 108 ] .