وكان يكتب له فكان يصادره في كلّ سنة ، فهرب منه وقصد داود بن ميكائيل السلجوقي والد السلطان ألب أرسلان ، فظهر له النصح والمحبّة فسلّمه إلى ولده ألب أرسلان وقال له :
اتّخذه والداً ولا تخالفه فيما يشير به ، فلمّا ملك ألب أرسلان دبّر أمره فأحسن التدبير وبقي في خدمته عشر سنين ، فلمّا مات ألب أرسلان وملك ابنه ملكشاه فصار الأمر كلّه لنظام الملك وليس للسلطان إلّا التخت والصيد وأقام على هذا عشرين سنة .
وكان مجلسه عامراً بالفقهاء والصوفيّة ، وكان إذا سمع الأذان أمسك عن جميع ما هو فيه .
وبنى المدارس والربط والمساجد في البلاد ، وهو أوّل من أنشأ المدارس فاقتدى به الناس وشرع في عمارة مدرسته ببغداد سنة 457 ، وفي سنة 459 جمع الناس على طبقاتهم ليدرّس بها الشيخ أبو إسحاق الشيرازي « 1 » .
يحكى من حسن أخلاقه أنّه كان بينه وبين تاج الملك أبي الغنائم شحناء ومنافسة كما جرت العادة بمثله بين الرؤساء ، فقال أبو الغنائم لابن الهباريّة وكان من الملازمين لخدمة نظام الملك : إن هجوت نظام الملك فلك عندي كذا وأجزل له الوعد ، فقال : كيف أهجو شخصاً لا أرى في بيتي شيئاً إلّا من نعمته ، فقال : لا بدّ من هذا فعمل هذه الأبيات :
لا غرو إن ملك أب * - ن إسحاق وساعده القدر
وصفت له الدنيا * وخصّ أبو الغنائم بالكدر
والدهر كالدولاب * ليس يدور إلّا بالبقر
فبلغت الأبيات نظام الملك فقال : هو يشير إلى المثل السائر على ألسنة الناس وهو قولهم : أهل طوس بقر .
وكان نظام الملك من طوس وأغضى عنه ولم يقابله على ذلك بل زاد في إفضاله عليه ، فكانت هذه معدودة من مكارم أخلاق نظام الملك وسعة حلمه « 2 » ويناسب أن يقال في حقّه :
عشق المكارم فهو مشتغل بها * والمكرمات قليلة العشّاق
وأقام سوقاً للثناء ولم تكن * سوق الثناء تعدّ في الأسواق
بث الصنائع في البلاد فأصبحت * يجبى إليه محامد الآفاق
هامش
( 1 ) مجالس المؤمنين 2 : 684 - 686
( 2 ) روضات الجنّات 3 : 102 - 103 ، الرقم 260