المعاصر للشهيد الثاني : أنّ الصاحب استدعى في بعض الأيّام شراباً فأحضروا قدحاً ، فلمّا أراد أن يشرب قال له بعض خواصّه : لا تشربه فإنّه مسموم ، وكان الغلام الّذي ناوله واقفاً فقال للمحذّر : ما الشاهد على صحّة قولك ؟ قال : تجرّبه في الّذي ناولك إيّاه ، قال : لا أستجيز ذلك ولا أستحلّه ، قال : فجرّبه في دجاجة ، قال : التمثيل بالحيوان لا يجوز ، وردّ القدح وأمر بقلبه ، وقال للغلام : انصرف عنّي ولا تدخل داري ، وأمر بإقرار جاريه وجرايته عليه ، وقال : لا يدفع اليقين بالشكّ والعقوبة بقطع الرزق نذالة « 1 » انتهى . توفّي في 24 صفر سنة 385 ( شفه ) بالري ثمّ نقل إلى أصبهان ودفن بمحلّة تعرف بدريه .
قال ابن خلّكان : ورأيت في أخباره أنّه لم يسعد أحد بعد وفاته كما كان في حياته غير الصاحب ، فإنّه لمّا توفّي أغلقت له مدينة الري واجتمع الناس على باب قصره ينتظرون خروج جنازته ، وحضر مخدومه فخر الدولة أوّلًا وسائر القوّاد وقد غيّروا لباسهم ، فلمّا خرج نعشه من الباب صاح الناس بأجمعهم صيحة واحدة وقبّلوا الأرض ، ومشى فخر الدولة أمام الجنازة مع الناس وقعد للعزاء أيّاماً ، ورثاه أبو سعيد الرستمي بقوله :
أبعد ابن عبّاد يهش إلى السرى * أخو أمل أو يستماح جواد
أبى اللَّه إلّا أن يموتا بموته * فما لهما حتّى المعاد معاد
انتهى « 2 » .
ورثاه السيّد الرضي رحمه الله بقصيدة لم يسمع اذن الزمان بمثلها أوّلها :
أكذا المنون يقطر الأبطالا * أكذا الزمان تضعضع الأجبالا
أكذا تصاب الأسد وهي مدلّة * تحمي الشبول وتمنع الأغيالا
إلى قوله :
وأقم على يأس فقد ذهب الّذي * كان الأنام على مداه عيالا
وقبره بإصبهان مزار معروف ، قال [ صاحب ] الروضات : وأصاب قبّته انهدام وفتور من مرور الدهور ، فأمر شيخنا الإمام العلّامة الحاجّ محمّد إبراهيم الكرباسي في هذه الأيّام بتجديد عمارتها وتطيينها وتشييد نضارتها وزينتها ، فصارت كأحبّ موضع يرام وأجود
هامش
( 1 ) لم نظفر بمأخذه
( 2 ) وفيات الأعيان 1 : 210 ، الرقم 93