وسيف الدولة مشهور بسيادتهم وواسطة قلادتهم وحضرته مقصد الوفود ومطلع الجود وقبلة الآمال ومحطّ الرجال وموسم الأدباء وحَلْبة الشعراء . ويقال : إنّه لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع ببابه من شيوخ الشعر ونجوم الدهر ، وإنّما السلطان سوق يجلب إليها ما ينفق لديها ، وكان أديباً شاعراً محبّاً لجيّد الشعر شديد الاهتزاز له ، وكان كلّ من أبي محمّد عبد اللَّه بن محمّد الفيّاض الكاتب وأبي الحسن عليّ بن محمّد الشمشاطي قد اختار من مدائح الشعراء لسيف الدولة عشرة آلاف بيت . وكانت لسيف الدولة جارية من بنات ملوك الروم في غاية الجمال فحسدها بقيّة الحظايا لقربها منه ومحلّها من قلبه وعَزَمْنَ على إيقاع مكروه بها من سمّ أو غيره ، فبلغه الخبر وخاف عليها فنقلها إلى بعض الحصون احتياطاً وقال :
راقبتني العيون فيك فأشفق * ت ولم أخل قطّ من إشفاق
ورأيت العدوّ يحسدني في * - ك مجداً بأنفس الأعلاق
فتمنّيت أن تكوني بعيداً * والّذي بيننا من الودّ باق
ربّ هجر يكون من خوف هجر * وفراق يكون جوف فراق
ومن شعره أيضاً :
اقبّله على جزع * كشرب الطائر الفزع
رأى ماءً فأطمعه * وخاف عواقب الطمع
وصادف خلسة فدنا * ولم يتلذّ بالجرع « 1 »
وأخبار سيف الدولة كثيرة ، خصوصاً مع الشعراء خصوصاً مع المتنبّي والسريّ الرفّاء والنامي والببغاء والوأواء وتلك الطبقة .
يحكى عن السريّ الرفّاء الشاعر المشهور ، قال حضرت مجلس سيف الدولة بعد قتل المتنبّي ، فجرى ذكره فأثنى عليه الأمير وذكر شعره بما غاظني ، فقلت : أيّها الأمير اقترح أي قصيدة أردت للمتنبّي فإنّي اعارضها بما يعلم الأمير أنّ المتنبّي قد خلف نظيره ، فقال : عارض قصيدته الّتي أوّلها : « لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي » فلمّا رجعت إلى منزلي
هامش
( 1 ) وفيات الأعيان 3 : 79 ، الرقم 454