القضاء الأكبر في أيام جده المنصور باللّه الحسين بن القاسم وفي أيام ولده المهدي ، وضم إليه الوزارة ثم عفي ، وفي أيام ولده المنصور هذا ولي القضاء الأكبر ثانيا ، فكان يقوم بأمور القضاء وتقصده الوزراء ، وتصدر الأمور موافقا لرأيه ، وله مهابة عند الخلق ، وكنت إذ ذاك مشتغلا بالتدريس والتصنيف منجمعا عن الناس ، فإني لا أجتمع بأحد من الأمراء ولا من غيرهم كائنا من كان ، وكنت أدرس الطلبة في اليوم الواحد نحو ثلاثة عشر درسا ، فلم أشعر إلا بطلاب لي من الخليفة بعد موت القاضي بنحو أسبوع ، فعزمت إلى مقامه العالي ، فذكر أنه رجح قيامي مقام القاضي المذكور ، فاعتذرت له بالعلم فقال : القيام بالأمرين ممكن ، وليس المراد إلا القيام بفصل ما يصل من الخصومات إلى ديوانه ، فقلت : سيقع مني الاستخارة للّه والاستشارة لأهل الفضل ، وما اختاره اللّه ففيه الخير ، فلما فارقته صرت مترددا ، ولكنه وفد إليّ غالب من ينتسب إلى العلم وأجمعوا أن الإجابة واجبة ، وأرسلوا إليّ بالرسائل المطوّلة ، فقبلت مستعينا باللّه ومتوكلا عليه ، ولم يقع التوقف في الخصومات ، بل انثال الناس من كل محل ، فاستغرقت في ذلك الأوقات إلا لحظات يسيرة قد أفرغتها للنظر في شيء من الكتب أو لشيء من التحصيل أو لتتميم ما قد كنت شرعت فيه ، فأعان اللّه على القيام بذلك الشأن ، وأنا في حال تحرير هذه الأسطر في سنة 1213 ه مستمر على مباشرة الوظيفة ، مؤثر للتدريس للطلبة [ في ] « 1 » مصنفاتي وغيرها . وإني أسأل اللّه بحوله وطوله أن يرشدني إلى مراضيه ، ويحول بيني وبين معاصيه ، وييسر لي الخير حيث كان ، ويدفع عني الشر ، ويقيمني في مقام العدل ، ويختار لي ما فيه الخير في الدين والدنيا .
هامش
( 1 ) في الأصل : وفي . وانظر البدر الطالع ( 1 / 466 ) .