واستدام على التدريس في سائر العلوم الدينية .
كان يجلس من أول الصبح إلى الظهر يدرّس في الفقه والأصول والكلام والعلوم العربية والمنطق . لا يدرّس في ذلك كلّه سواه ، وهو مع ذلك قائم بحوائج المحتاجين بأتمّ قيام ، وعلى أحسن نظام . لا يرجع العجم المجاورون إلّا إليه ، ولا معوّل لهم إلّا عليه .
لم يسمح الزمان بمثل أخلاقه ، وسعة صدره ، وكثرة تواضعه ، وشدّة رأفته ، وكثرة فتوّته وسخائه وإبائه .
كانت له المنة على جميع أهل بلده وليس لأحد منهم عليه منّة .
عبقت منه رائحة جدّه باب الحوائج ، فصار كعبة القاصد . فكم من مريض عجز عنه الأطباء برئ بدعائه ، أو بأكل من سؤره .
كان لفمه وكلمه وقلمه تأثير عجيب في شفاء الأمراض وحصول الأغراض . فكم من مبتلى بموت الأولاد أخذ من ثيابه لمولوده فعاش .
وكان إذا كتب لمحروم الأولاد ( دعاء الولد ) رزقه اللّه ذلك .
وبالجملة ، حاز من الخصال محاسنها ومآثرها ، وتردّى من أصنافها بأنواع مفاخرها ، لا يرجع منه السائل إلّا بحاجة مقضيّة ، ولا فقير إلا بصلة . وربّما كان لا يجد النقد فيعطي السائل خاتمه ، أو بعض ثيابه ، أو بعض أواني داره . لا يستطيع ردّه بالكلّية لسخاء طبعه ، ورقّة قلبه .
كان إذا مرّ في الصحن الشريف أو في الطريق ، ورأى مطروحا من الغرباء ، لا يستطيع أن يرفع قدمه عنه ، بل يقف عليه ، حتى يحسن إليه ، ويصلح له ما يحتاج إليه ولو بالقرض والاستدانة .
ولعمري لا يستطاع ذكر مزاياه ، وما كان عليه من المكرمات والأوصاف ، وقوّة النفس ، وحسن التوكّل ، وقطع النظر عن الناس .
وكان لا يقبل الحقوق من كلّ أحد ، ويقول : إني لا أقبض ممّن
تكملة أمل الآمل — صفحة 394
مساهمون: السيد حسن الصدر
ص٣٩٤