تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تنقيح المقال في علم الرجال — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
هامش
وأحسن قبوله ، ولم يعتبه على شيء كان منه ، ووعده ومنّاه . . ثمّ إنّه أحضره في يوم حفل ، فقال له : يا شدّاد ! قم في الناس واذكر عليّا وعبه لأعرف بذلك نيّتك في مودّتي ، فقال له شدّاد : اعفني من ذلك ؛ فإنّ عليّا قد لحق بربّه ، وجوزي بعمله ، وكفيت ما كان يهمّك منه ، وانقادت لك الأمور على إيثارك ، فلا تلتمس من الناس ما لا يليق بحلمك . فقال له معاوية : لتقومنّ بما أمرتك به وإلّا فالريب فيك واقع ، فقام شدّاد ، فقال : الحمد اللّه الذي فرض طاعته على عباده ، وجعل رضاه عند أهل التقوى آثر من رضا خلقه على ذلك ، مضى أوّلهم ، وعليه يمضي آخرهم . أيّها الناس ! إنّ الآخرة وعدّ صادق يحكم فيها ملك قادر ، وإنّ الدنيا أجل حاضر يأكل منها البرّ والفاجر ، وإنّ السامع المطيع للّه لا حجّة عليه ، وإنّ السامع العاصي لا حجّة له ، وإنّ اللّه إذا أراد بالعباد خيرا عمّل عليهم صلحاءهم ، وقضى بينهم فقهاؤهم ، وجعل المال في أسخيائهم ، وإذا أراد بهم شرّا عمّل عليهم سفهاؤهم ، وقضى بينهم جهلاؤهم ، وجعل المال عند بخلائهم ، وإنّ من صلاح الولاة أن يصلح قرناؤها ، ونصحك - يا معاوية ! - من أسخطك بالحقّ ، وغشّك من أرضاك بالباطل ، وقد نصحتك بما قدّمت ، وما كنت أغشّك بخلافه . فقال له معاوية : اجلس يا شدّاد ! فجلس ، فقال له : إنّي أمرت لك بمال يغنيك ، ألست من السمحاء الذين جعل اللّه المال عندهم لصلاح خلقه ؟ فقال له شدّاد : إن كان ما عندك من المال هو لك دون ما للمسلمين فعمدت لجمعه مخافة تفرّقه ، فأصبته حلالا وأنفقته حلالا فنعم ، وإن كان ممّا شاركك فيه المسلمون فاحتجبته دونهم فأصبته اقترافا ، وأنفقته إسرافا ، فإنّ اللّه جلّ اسمه يقول :إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ[ سورة الأسراء ( 17 ) : 27 ] . فقال معاوية : أظنّك قد خولطت يا شدّاد ! أعطوه ما أطلقناه له ليخرج إلى أهله قبل أن يغلبه مرضه ، فنهض شدّاد وهو يقول : المغلوب على عقله بهواه سواي . . وارتحل ولم يأخذ من معاوية شيئا . وكذلك في البيان والتبيين للجاحظ : 591 . أقول : يتجلّى واضحا وقاحة الطليق ابن الطلقاء في عدّ نفسه مماثلا ومقارنا مع أمير المؤمنين ، وقائد الغرّ المحجّلين في الفضل . إنّ التأمل في الجوّ الذي كان يعيشه المترجم ، والضغط الذي كان يقاسيه - هو والمؤمنين - من أئمّة الجور والضلال ، من