فإن قلت : قد ذكر المؤرّخون - ومنهم : ابن الأثير في تاريخه « 1 » - أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم لمّا جمع غنائم حنين بالجعرانة ، جعل عليها بديل بن ورقاء الخزاعيّ ، وصار إلى حصار الطائف ، ثمّ رجع إلى الجعرانة لقسمة الغنائم ، وهي أعظم وأكثر غنيمة غنمها المسلمون .
وناهيك ما ذكروه من أنّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أعطى منها لأحد عشر رجلا من المؤلّفة قلوبهم مائة بعير لكلّ واحد منهم ، وأعطى « 2 » آخرين دون المائة ، وهم من المؤلّفة قلوبهم أيضا - يتألّفهم على الإسلام - .
ومن البيّن أنّ استئمان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بديلا على تلك الغنائم العظيمة ممّا يكشف من شدّة وثوقه به وعدالته ، لعدم تعقّل استئمانه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الفاسق .
قلت : ما ذكرته إنّما كان ينفع في العلم بحاله لو كان مات في زمان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وعدالته في زمانه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لا تجدي ، بعد قلب زمان الامتحان بعده جملة من العدول في زمانه إلى الفسق ، أو الكفر بعده . نعم ، ما رواه الرجل في زمان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقبل .
فإن قلت : ألستم في كلّ متيقّن سابقا مشكوك لاحقا تعتبرون استصحاب المتيقن ؟ فما معنى رفع اليد هنا عن استصحاب العدالة الثابتة في زمان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بما ذكر ؟
قلت : إنّ الاستصحاب إنّما يجري فيما لم يكن هناك علم تفصيليّ ، ولا إجماليّ منجّز ، وهو هنا موجود ؛ فإنّ علمنا بارتداد جمع كثير من الصحابة وفسق
هامش
( 1 ) المسمّى ب : الكامل 2 / 266 .
( 2 ) في الطبعة الحجريّة : أعطوا ، والظاهر ما أثبتناه .