تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان الشيعة — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
ألفاظا لا معنى لها لان . . . ما لا معنى له فلا مطلوب فيه . والفلسفة انما تعتمد على ما كان فيه مطلوب . فليس من شأن الفلسفة استعمال ما لا مطلوب فيه . . . . وكذلك يقوم منهج الكندي على ذكر المقدمات ، ثم يعمل على اثباتها على منهج رياضي استدلالي . . . . قطعا لمكابرة من ينكر القضايا البينة بنفسها ، وسد الباب اللجاج من جانب أهل العناد . . . ومن يطلع على رسائله يجد ان الطريقة الاستنباطية تغلب عليها ، . . . وان منهجه منطقي رياضي يدهش الإنسان من اتقانه في ذلك العصر البعيد . . . للميلاد مما جعله يقول : . . . ان الكندي من الاثني عشر عبقريا الذين هم من الطراز الأول في الذكاء . . . . والكندي مخلص للحقيقة يقدس الحق ، ويرى في معرفة الحق كمال الإنسان وتمامه ، ويتجلى ذلك في رسالة الكندي إلى المعتصم بالله في الفلسفة الأولى . فقد جاء في هذه الرسالة : . . . ان أعلى الصناعات الإنسانية وأشرفها مرتبة صناعة الفلسفة . ولما ذا . . . ؟ لان حدها علم الأشياء بحقائقها بقدر طاقة الإنسان ، ولان غرض الفيلسوف في عمله ، إصابة الحق ، وفي عمله ، العمل بالحق . . . . ويعرف الكندي للحق قدره ، ويقول في هذا الشأن : . . . وينبغي ان لا نستحي من الحق واقتناء الحق من أين اتى ، وان اتى من الأجناس القاصية عنا والأمم المباينة لنا ، فإنه لا شئ أولي بطالب الحق من الحق . . . وليس ينبغي بخس الحق ولا تصغير قائله والآتي به . . . ولا أحد بخس بالحق بل كان يشرفه الحق . . . . وفي رأي الكندي ان الحياة قصيرة وانها لا تكفي لمعرفة الحقيقة الكاملة . فمهما طالت حياة الفرد وعكف على البحث وحصر نفسه وجهوده في الدرس والتفكير فلن يصل إلى الحقيقة الكاملة بل هو في بحثه ودراسته وتفكيره انما يعمل لها ويسعى للوصول إليها ، وحسبه في هذا شرفا وسعادة . ويرى الكندي ان معرفة الحق ثمرة لتضامن الأجيال الإنسانية ، فكل جيل يضيف إلى التراث الإنساني ثمار أفكاره ، ويمهد السبيل لمن يجئ بعده ، ويدعو إلى مواصلة البحث عن الحق والمثابرة في طلبه ، وشكر من يشغل نفسه وفكره في ذلك . وهو يعتبر طالبي الحق شركاء وان بينهم نسبا ورابطة قوية هي رابطة البحث عن الحق والاهتمام به . وقد دفعه اهتمامه بالحق وطالبيه إلى لاشعور بمسؤوليته ، وان عليه ان يساهم في بناء الحقيقة ويدعو إلى الاخلاص لها ، ويحدب على طالبها والتفاني في اسعافه . وبذلك يدفع المجهود الفلسفي إلى الامام . يقول الكندي في هذا الشأن في كتابه إلى المعتصم بالله في الفلسفة الأولى ما يلي : . . . ومن أوجب الحق الا نذم من كان أحد أسباب منافعنا الصغار . فكيف بالذين هم من أكبر أسباب منافعنا العظام الحقيقية الجدية ، فإنهم وان قصروا عن بعض الحق ، فقد كانوا لنا انسابا وشركاء فيما أفادونا من ثمار فكرهم التي صارت لنا سبلا وآلات مؤدية إلى علم كثير . فينبغي ان يعظم شكرنا للآتين بيسير الحق ، فضلا عمن اتى بكثير من الحق ، إذ أشركونا في ثمار فكرهم وسهلوا لنا المطالب الخفية الحقية ، بما أفادونا من المقدمات المسهلة لنا سبل الحق ، فإنهم لو لم يكونوا ، لم تجتمع لنا مع شدة البحث في مددنا كلها هذه الأوائل الحقية ، التي بها تخرجنا إلى الأواخر من مطلوباتنا الخفية . فان ذلك انما اجتمع في الاعصار السالفة المتقادمة عصرا بعد عصر إلى زماننا هذا ، مع شدة البحث ولزوم الدأب وايثار التعب في ذلك . . . . والكندي أدرك بحدة نظره وثاقب تفكيره بان الثبات والدوام في هذا العالم غير موجودين وان قانون التغير يسيطر على عوامل الكون ، ومن يرفض هذا القانون فهو في واقع الامر يرفض الحياة نفسها ويدلل على فكر سقيم وعقلية عقيمة . ولم يقف الكندي عند هذه الحدود بل نفذ عقله إلى الخروج بالقول ان مقتنيات الحياة مشتركة بين جميع الناس وانه لا يصح للانسان الاستئثار بها أو ان يحسد غيره عليها . . . . والكندي في حياته كان منصرفا إلى جد الحياة ، عاكفا على الحكمة ينظر فيها التماسا لكمال نفسه . وفوق ذلك فالكندي ذو روح علمي صحيح ، ابعد عنه الغرور ، وجعله يرى الإنسان العاقل مهما يبلغ في العلم ، فهو لا يزال مقصرا ، وعليه ان يبقى عاملا على مواصلة البحث والتحصيل . وقد قال في هذا الشأن : . . . العاقل من يظن أنه فوق عمله ، فهو ابدا بتواضع لتلك الزيادة ، والجاهل يظن أنه تناهى فتمقته النفوس لذلك . . . . يرى الكندي ان على الإنسان ان يستعمل عقله في تدبير نفسه وسياستها والاهتمام بمطالبتها الحقيقية دون ان يعطي هذه الحياة أكثر مما تستحق . وانه بالعقل والفضيلة والحكمة يمكن للانسان ان يخلص من الأحزان ويحرر نفسه من القلق . وفي رأي الكندي ان مفهوم الفلسفة يجب ان يقوم على المعرفة والسيرة العلمية . فلا يكفي ان يفهم الإنسان الفلسفة من حيث هي معرفة فقط بل يجب ان تقترن هذه المعرفة بسيرة عملية ، فيعرف الإنسان نفسه ويخلصها من أدران الأنانية والطمع والحسد ، ويجعل العقل رائده وقائده وحكما في الفصل بين الحق والباطل . وبذلك يؤدي رسالة الحياة على أتم ما يكون الأداء ويمهد للحياة الخالدة التي يرنو إليها الحكماء والفلاسفة في كل زمان ومكان . وقال محمد كاظم الطريحي : عقيدته : اختلف المؤرخون في ديانته ، وعقيدته اختلافا كبيرا ، فمنهم من رفعه إلى مصاف علماء الدين ، ومنهم من رماه بالكفر والالحاد ، ومنهم من قال إنه كان يهوديا ثم أسلم ، والآخر قال : كان نصرانيا ، وكل
أعيان الشيعة — صفحة 312 | السيد محسن الأمين / حسن الأمين