تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان الشيعة — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
أكافيك عن بعض الذي قد فعلته * لأن لمولانا علي حقوقا بعثت خدودا مع نهود وأعينا * ولا غرو ان يجزي الصديق صديقا وان حال منك البعض عما عهدته * فما حال يوم عن ولاك وثوقا بنفسج تلك العين صار شقائقا * ولؤلؤ ذاك الدمع عاد عقيقا وكم عاشق يشكو انقطاعك عندما * قطعت على اللذات منه طريقا فلا عدمتك العاشقون فطالما * أقمت لأوقات المسرة سوقا وله : حسن التأني مما يعين على * رزق الفتى والحظوظ تختلف والعبد مذ صار في جزارته * يعرف من أين تؤكل الكتف وكان له حمار فمات فكتب إليه بعض أصحابه : مات حمار الأديب قلت لهم * مضى وقد فات فيه ما فاتا من مات في عزه استراح ومن * خلف مثل الأديب ما ماتا فاجابه الجزار : كم من جهول رآني * أمشي لأطلب رزقا فقال لي صرت تمشي * وكنت تغشى وتلقى فقلت مات حماري * تعيش أنت وتبقى وللجزار مشيرا إلى حديث الإفك نقله شارح رسالة ابن زيدون من خطه : لا تقطعن عادة بر ولا * تجعل عقاب المرء في رزقه واصفح عن الجاني فان الذي * ترجوه عفو الله من خلقه وان بدت من صاحب زلة * فاستره بالاغضاء واستبقه فان اثم الإفك من مسطح * يحط قدر النجم عن أفقه وقد جرى منه الذي قد جرى * وعوتب الصديق في حقه وله : وحقك ما لي من قدرة * على كشف ضري إذ مسني فكم أخذتني عيون الظباء * بعد الإنابة من مأمني وله : أطيل شكاياتي إلى غير راحم * وأهل الغنى لا يرحمون فقيرا وأشكر عيشي للورى خوف شامت * كذا كل نحس لا يزال شكورا وله : الا قل لمن يسال عن * قومي وعن أهلي لقد تسأل عن قوم * كرام الفرع والأصل يريقون دم الأنعام * في حزن وفي سهل على ما فيهم يعرف * من جود ومن نبل ترحبهم بنو كلب * وتخشاهم بنو عجل وله : يمضي الزمان وأنت هاجر * أفما لهذا الهجر آخر يا من تحكم في القلوب * بحاجب منه وناظر مولاي لا تنس المحب * فإنه لهواك ذاكر وإذا رقدت منعما * فاذكر شقيا فيك ساهر شتان ما بيني وبينك في * الهوى إن كنت عاذر النار في كبدي وظلمك * بارد والجفن فاتر وفي شرح رسالة ابن زيدون : قال أبو الحسين الجزار من أبيات وقد ذكر حريق الحرم النبوي : لله في النار التي وقعت به * سر عن العقلاء لا يخفيه أن ليس يبقى في فناه بقية * مما بنته بنو أمية فيه وقال الأستاذ محمد رجب البيومي من مقال له : نشأ الجزار في أواخر العصر الأيوبي ، والملوك يومئذ يقربون الشعراء ، ويهتمون بالأدباء ، فانتجع الشاعر ساحتهم ، وأرسل امداحه في الرؤساء والوجهاء من علية القوم ، ثم عاد بالهبات الوافرة والعطاء الكثير ، وقد ذاع صيته في مصر فروى العامة شعره ، وقرب الخاصة مجلسه منهم ، فمازحهم وفاكههم وآكلهم وشاربهم ، وكانت الكنافة أحب الطعام إليه ، يتلهف عليها إذا احتجبت عنه ، ويستائل عنها لدى ندمائه وخلانه ، فإذا لم يوفق إلى طلبته فرع إلى شعره يبثه شجونه : وما لي أرى وجه الكنافة مغضبا * ولولا رضاها لم أرد رمضانها عجبت لها في هجرها كيف أظهرت * علي جفاء صد عني جفانها ترى اتهمتني بالقطائف فاغتدت * تصد اعتقادا أن قلبي خانها ومذ قاطعتني ما سمعت كلامها * لأن لساني لم يخالط لسانها بهذه الخفة المرحة طارت أبيات الشاعر كل مطار ، فتناقلها السمار في أنديتهم ، وتدارسها الأدباء في مجالسهم ، وأصبح الشاعر علما في قومه ، وأثيرا بين زملائه وعارفيه وقد سر به والده سرورا كبيرا فلم يكن يطمع هذا الجزار المتواضع أن يكون ذا ولد يملأ العين والسمع ، ويشغل المحافل والأندية ، ويسطر الصحائف والكتب ، والغريب أن هذا الوالد الأمي هو الذي شجع نجله على قرض الشعر ، وهيا له الفرصة لمجالسة الأدباء والعلماء ، ومنحه الإجازات الطويلة من عمله بالجزارة ليفرع إلى موهبته ، عكس ما كنا ننتظره من قصاب عامي مثله ! ! وقد يكون من الطريف أن نذكر أن الوالد قد اصطحب ولده في نشأته الأولى إلى شاعر مشهور يعرف بابى الإصبع ليسمعه أبياته فلما وعاها الشاعر الكبير تبسم وقال للأديب الناشئ : أنت عوام ماهر فسر الوالد سرورا كبيرا وقدم إليه هدية ثمينة من لحومه ، وحين سئل أبو الإصبع عن مراده بقوله : أنت عوام ماهر قال : أنه ينتقل في الشعر من بحر إلى بحر ! ! فانظر إلى دقة النقد وخفاء المأخذ ، لتعرف ما طبع عليه الأدباء المصريون لعهد مضى من حسن التاتي ، ولطافة المدخل ولو واجه أبو الإصبع شاعرنا الناشئ بنقده الصريع لأخمد من عزيمته واوهى من ثقته ! ! ولكن أحسن الرد فكوفئ مكافاة طيبة من ناحية ، واسدى لأبي الحسين من ناحية ثانية يدا تذكر له في مجال الاستحسان . على أن العهد الأيوبي لم يطل ، وجاءت دولة المماليك ، ورؤساؤها أعاجم أميون ، يهيمون بالفروسية والبسالة ، ويفتنون في المؤامرات السياسية والمكائد الطائفية ، إما أن يسلفوا عارفة إلى أصحاب المواهب من الشعراء والعلماء فهذا ما لم يدر لهم في ظن أو حسبان ! ! ونظر الشاعر في سوقه الرائجة بالأمس فإذا هي خلاء قد كسدت بضاعتها ، وخسرت