فعال منتدب لله محتسب * في الله معتصم بالله ملتزم
حتى حوى بحرها الطامي فراتهم * الجاري ببحر من الهندي ملتطم
فكف كفا عن الورد المباح وفي * أحشائه ضرم ناهيك من ضرم
وحرمت أن تنال الري مهجته * كأنما الري فيها أشهر الحرم
ولم تهم بشرب الماء همته * وسلب ذا الهم نفسا أكبر الهمم
وهل ترى صادقا دعوى اخوته * روى حشي وأخوه في الهجير ظمي
وما كفاه الردى دون ابن والده * حتى قضى مثله وأرى الفؤاد ظمي
حتى ملا مطمئن الجاش قربته * ثم انثنى مستهلا قاصد الحرم
فكاثروه فألفوا غير ما نكس * ماضي الشبا غير هياب ولا ارم
فردها وسيوف الهند تحسبها * برق الحيا ورماح الخط كالأجم
أكمى كمي ومن كان الوصي له * أبا فذاك كمي فوق كل كمي
يستوعب الجمع لا مستفهما بهل * عنه ولا سائلا عن عده بكم
غير أن تأبى يسير الطعن همته * فلا يؤم زحاما غير مزدحم
حتى ابتنى قلل العلياء من شرف * ورم ساحتها الجرباء بالرمم
عموه بالنبل والسمر العواسل والبيض * الفواصل من فرع إلى قدم
فخر للأرض مقطوع اليدين له * من كل مجد يمين غير منجذم
وله من قصيدة :
إن تكن كربلاء فحيوا رباها * واطمئنوا بنا نشم ثراها
الثموا جوها الأنيق على ما * كان في القلب من حريق جواها
واغمروها بأحمر الدمع سقيا * فكرام الورى سقتها دماها
وبنفسي مودعون وفي العين * بكاها وفي القلوب لظاها
من بحور تضمنتها قبور * وبدور قد غيبتها رباها
ركبهم والقضا باظعانهم يسري * وهادي الورى امام سراها
والمساعي من خلفهم نادبات * والمعالي مشغولة بشجاها
ساكبات الدموع لا يتلاقى * بين أجفانها وبين كراها
وتبدت شوارع الخيل والسمر * وفرسانها يرف لواها
فدعا صحبه هلموا فقد اسمع * داعي المنون نفسي رداها
فأجاب الجميع عن صدق نفس * أجمعت أمرها وحازت هداها
لا ومعنى به تقدست ذاتا * وجلال به تعاليت جاها
لا نخليك أو نخلي الأعادي * تتخلى رؤوسها عن طلاها
واستبانت على الوفا وتواصته * وأضحى كما تواصت وفاها
تتهادى إلى الطعان اشتياقا * ليت شعري هل في فناها بقاها
ذاك حتى ثوت موزعة الأشلاء * صرعى سافي الرمال كساها
وامتطى الندب مهره لا يبالي * أشاته منونه أم شاها
يتلقى القنا بباسم ثغر * متلقى العفاة حين يراها
مقريا وافديه نسرا وذئبا * لحم أسد لحم الأسود قراها
وأنبرت نبلة فشلت يدا رجس * رماها وكف علج براها
وهوى الأخشب الأشم فماجت * نقطة الكون أرضها وسماها
وانثنى المهر بالظليمة عاري * السرج ناع للمكرمات فتاها
يا لقومي لعصبة عصت الله * وأضحى لها هواها
آلاها أسخطت أحمدا ليرضى يزيد * ويلها ما أضلها عن هداها
يا ابن من شرف البراق وفاق * الكل والسبعة الطباق طواها
أن تمنى العدى لك النقص بالقتل * فقد كان فيه عكس مناها
أين من مجدك المنيع الأعادي * وبك الله في العناية باهى
وعليك اعتماد نفسي فيما * أملته وما جنته يداها
وذنوبي وإن عظمن فاني * بك يا ابن الكرام لا أخشاها
وبميسور ما استطعت ثنائي * والهدايا بقدر من أهداها
وله من قصيدة :
أهاب به الداعي فلباه إذ دعا * وكان عصي الدمع فانصاع طيعا
عصى دمعه حادي المطايا فمذ رأى * بعينيه ظعن الحي أسرع أسرعا
فبادر لا يلوي به عذل عاذل * إذا قيل مهلا بعض هذا تدفعا
ظعائن تسري والقلوب بأسرها * على أثرها يجرين حسري وظلعا
وبالنفس أفدي ظاعنين تجلدي * لبينهم قبل التودع ودعا
مضوا والمعالي الغر حول قبابهم * تطوف الجهات ألست مثنى ومربعا
سروا وسواد الليل داج وشعشعت * على لونه أنوارهم فتشعشعا
يحل الهدى أنى يحلون والندى * فان أقلعوا لا قدر الله اقلعا
مصاليت يوم الحرب رهبان ليلهم * بوارع في هذا وفي ذاك خشعا
ترى الفرد منهم يجمع الكل وصفه * كمالا كان الكل فيه تجمعا
وتهوى الأيامى لو تحل ربوعهم * وقد تركت من حولها الروض سرعا
رمت بهم نحو العلا المحض عزمة * لو الطود وافاها وهي وتصدعا
عشية أمسى الدين دين أمية * وأمسى يزيد للبرية مرجعا
وهل خبرت فيما تروم أمية * بان العلا لم تلف للضيم مدفعا
وقد علمت أن المعالي زعيمها * حسين إذا ما عن ضيم فافزعا
رأى الدين مغلوبا فمد لنصره * يمين هدى من عرصة الدين أوسعا
فأوغل يطوي الكون ليس بشاغل * على ما به من كف علياه إصبعا
يقود إلى الحرب العوان ضراغما * حواسرها أمضى من الغير درعا
تجر من الرمح الطويل مزعزعا * ويمضي من السيف الصقيل مشعشعا
مطلا على الأقدار لو شاء كفها * فجاءته تترى حسبما شاء طيعا
فالقى ببيداء الطفوف مشمرا * إلى الموت لن يخشى ولن يتروعا
وقامت رجال للمنايا فارخصوا * نفوسا زكت في المجد غرسا ومنبعا
تفرع من عليا قريش فان سطت * رأيت أخا ابن الغاب عنها تفرعا
بدور زهت أفعالهم كوجوههم * فسرتك مرأى إذ تراها ومسمعا
أبوا جانب الورد الذميم وأشرعوا * مناهل أضحى الموت فيهن مشرعا
فاكسبها المجد المؤثل أبلج * غشى نوره جنح الدجى فتقشعا
فتنثر أوصال الكمي سيوفها * وتنظم بالرمح الطويل المدرعا
إلى أن ثووا صرعى الغداة كأنهم * ندامى سقوا كأسا من الراح مترعا
وأقبل ليث الغاب يحمي عرينه * ببأس من العضب اليماني اقطعا
يكر فتلقى الخيل حين يروعها * مضامين سرب خلفها الصقر زعزعا
يصرف آحاد الكتيبة رأيه * فلا ينتقي إلا الكمي المقنعا
بطعن يعيد الزوج بالضم واحدا * وضرب يعيد الفرد بالقطع أربعا
ولما رمت كف المقادير رميها * وحان لشمل الدين أن يتصدعا
بدى عن سراة السرج يهوي كأنما * جبال شروري من علاها هوت معا
وراح بأعلى الرمح يزهو كريمه * كبدر الدجى إذ تم عشرا وأربعا
وعاثت خيول الظالمين فأبرزت * كرائم أعلى أن تهان وارفعا
ثواكل لم يبق الزمان لها حمى * يكن ولم يترك لها الدهر مفزعا
تكاد إذا ما أسبلت عبراتها * تعيد الثرى من وابل الدمع مربعا
وكادت إذا ما أشعلت زفراتها * بأنفاسها يغدو لها الروض بلقعا
فما الفاقدات الألف شتت جمعها * غداة النوى أيدي العداة ووزعا
أعيان الشيعة — صفحة 245
مساهمون: السيد محسن الأمين
ص٢٤٥