قال في " التشوف " : « وكان يقول : اعتكفت على قراءة " إحياء علوم الدين " للغزالي في بيت مدة من عام ؛ فجردت المسائل التي تنتقد عليه ، وعزمت على حرق الكتاب . فنمت ؛ فرأيت قائلا يقول :
جردوه واضربوه حد الفرية ! . فضربت ثمانين سوطا ، فلما استيقظت ؛ جعلت أقلب ظهري ، وكنت أجد الألم الشديد من ذلك الضرب . فتبت إلى اللّه مما اعتقدت . ثم تأملت تلك المسائل ؛ فوجدتها موافقة للكتاب والسنة . حدثني بذلك غير واحد من الثقات عن أبي محمد عبد اللّه بن عثمان عن أبي الحسن ابن حرزهم » . ه .
وقال السبكي في طبقاته الكبرى ، في ترجمة الشيخ أبي حامد ما نصه : « وذكر أن الشيخ أبا الحسن ابن حرزهم ( بكسر الحاء المهملة ، وسكون الراء ، وبعدها زاي . وربما قيل : ابن حرازم ) لما وقف على " الإحياء " ؛ تأمل فيه ، ثم قال : هذا بدعة مخالف للسنة . وكان شيخا مطاعا في بلاد المغرب ؛ فأمر بإحضار كل ما فيها من نسخ " الإحياء " ، وطلب من السلطان أن يلزم الناس بذلك ، فكتب إلى النواحي ، وشدد في ذلك ، وتوعد من أخفى شيئا منه . فأحضر الناس ما عندهم ، واجتمع الفقهاء ونظروا فيه ، ثم أجمعوا على إحراقه [ 72 ] يوم الجمعة ، وكان اجتماعهم يوم الخميس » .
« فلما كانت ليلة الجمعة ؛ رأى أبو الحسن المذكور في المنام كأنه دخل من باب الجامع الذي عادته أن يدخل منه ؛ فرأى في ركن المسجد نورا ؛ وإذا بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم وأبي بكر وعمر - رضي اللّه عنهما - جلوس ، والإمام أبو حامد الغزالي قائم وبيده " الإحياء " . فقال : يا رسول اللّه ؛ هذا خصمي ! . ثم جثا على ركبتيه وزحف عليهما إلى أن وصل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فناوله كتاب " الإحياء " ، وقال : يا رسول اللّه ؛ انظر فيه ، فإن كان بدعة مخالفا لسنتك كما زعم ؛ تبت إلى اللّه تعالى ، وإن كان شيئا تستحسنه ؛ حصل لي من بركتك ، فأنصفني من خصمي ! » .
« فنظر فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ورقة ورقة إلى آخره ، ثم قال : واللّه هذا شيء حسن ! . ثم ناوله أبا بكر ؛ فنظر فيه كذلك ، ثم قال : نعم ؛ والذي بعثك بالحق يا رسول اللّه إنه لحسن ! . ثم ناوله عمر ؛ فنظر فيه كذلك ، ثم قال كما قال أبو بكر . فأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم بتجريد أبي الحسن من ثيابه وضربه حد المفتري ، فجرد وضرب ، ثم شفع فيه أبو بكر بعد خمسة أسواط ، وقال : يا رسول اللّه ؛ إنما فعل هذا اجتهادا في سنتك ، وتعظيما ! . فغفر له أبو حامد عند ذلك . فلما استيقظ من منامه وأصبح ؛ أعلم أصحابه بما جرى ، ومكث قريبا من شهر متألما من الضرب . ثم سكن عنه الألم ، ومكث إلى أن مات وأثر السياط على ظهره ، وصار ينظر كتاب " الإحياء " ويعظمه . وينتحله أصلا أصلا . . . وهذه حكاية صحيحة ؛ حكاها لنا جماعة من ثقات مشيختنا عن الشيخ العارف ولي اللّه تعالى ياقوت الشاذلي عن شيخه السيد الكبير ولي اللّه أبي
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس — صفحة 91
مساهمون: محمد بن جعفر الكتاني
ص٩١