ولما قيد إلى المحكمة وقفت بجانبه ، وسمعت الحكم الذي صدر عليه بالموت ، وعادت معه إلى السجن مظهرة الجلد الشديد لكي لا تكسر قلبه .
وجعلت تشدد عزائمه وتذاكره في الوسائط التي يمكن استخدامها لتخفيف قصاصه أو لتأجيله ، وكان يعلم أن السعي في ذلك يذهب سدى ولكنه تركها تسعى لأنه قال في نفسه لو تركتني إلى التقادير بدون أن تستعمل كل الوسائط الممكنة لنجاتي لما وجدت إلى الصبر عني سبيلا . فانتجعت كل روض ، وألقت دلوها في كل حوض ، ولكنها عادت بخفي حنين لأنها لم تجد للقضاء مردّا ، وجعلت تشدد عزائم زوجها ، وكان لسان حالها يقول :
جانب السّلطان واحذر بطشه * لا تعاند من إذا قال فعل
ثم ودّعته الوداع الأخير فودعها وهو يقول : إنني أودع الحياة طيّب النفس قرير العين لأنني تركت ورائي أولادا لا يفقدون شيئا بفقدي ، وزوجة عفيفة فاضلة فيها الكفاية لأن تدبر أمورها ، وأمورها ، وأومور أولادها على أتم المراد ، قد وعدتني أنها تقيني بنفسها من أجل أولادها ، وهذا حسبي .
ولما قضي عليه أرسل الملك يخبرها أنه غير قاصد أن ينتفع بموت زوجها فيبقي لها ولأولادها كل مقتنياته ، فرأت أن حبها لأولادها يدعو إلى شكره ولو مكرهة ، فأرسلت إليه كتابا تشكره به وكانت من فريدات عصرها في الكتابة والإنشاء ، ثم انتقلت بأولادها إلى الريف وأطلقت العنان للزفرات والعبرات التي كانت قد حجبتها مخافة شماتة الأعداء ، وكتبت في ذلك الحين إلى أحد القسوس الفضلاء تقول له : أنت تعرفنا تماما فلا تلمني على الحزن ، ولو أفرط ، نعم إن كثيرات أصبن بما أصبت ولكن أين فقيدهن من فقيدي حتى يتجدد حزنهن كما يتجدد حزني ، وكتبت بعد ذلك تقول : اللهمّ أرني مقاصد عنايتك فيما ابتليتني به لكي لا أسقط تحت قتل كآبتي ، إني أستحق هذا القصاص ، ولا أشكو منه ، ولكن قلبي حزين ، وقد عزت السلوى لأن رفيق حياتي وقسيم أفراحي وأحزاني ليس معي ، أوّاه إن نفسي تتوق إلى مسامرته ومساكنته ومواكلته ، قد صارت الحياة عليّ حملا ثقيلا ولكن لا بد من الصّبر على مضض الأيام والترفع فوق أفراح الدهر وأحزانه .
ثم دالت تلك الدولة ، وصار الملك إلى الملك الذي كان زوجها من حزبه ، فغمر حماها وابنها بالإنعام تعويضا لهما عما فقداه بفقد زوجها ، ولكن