فيتركها إذا اضطربت بطعن * وينهبها إذا اشتجرت قناها
حذيفة لا سقيت من الغوادي * ولا روّتك هاطلة نداها
كما أفجعتني بفتى كريم * إذا وزنت بنو عبس وفاها
فدمعي بعده أبدا هطول * وعيني دائم أبدا بكاها
« 148 » - تنوسة جارية علية بنت المهدي العباسي
كانت ذات حسن وجمال ، وبهاء وكمال ، وأدب ما له مثال ، تعلمت الغناء حتى صارت أحسن المغنين والمغنيات ، وساعدها على ذلك صوتها وحدّة ذهنها وشدّة استحضارها ، وكانت تختلف إلى الأمير محمد بن عبد اللّه بن طاهر وترتاح لمنادمته ، وهو يشتاق لسماع صوتها .
وقيل : إن محمد بن عبد اللّه جلس يوما في مجلس أنسه وكان عنده صديقه الحسن بن محمد بن طالوت ، وكان أخص الناس به ، فقال له : لا بد لنا في يومنا هذا من ثالث نطيب بمعاشرته ، ونلتذ بصحبته ومؤانسته ، حتى نسمع صوت تنوسة ، فمن ترى أن يكون طاهر الأعراق غير دنس الأخلاق ؟
فأعمل فكره الحسن وأمعن نظره وقال : أيها الأمير قد خطر ببالي رجل ليست علينا في مجالسته كلفة قد خلا من إبرام المجالسة ، وبرئ من ثقل المؤانسة ، خفيف الوقفة إذا أحببت ، سريع الوثبة إذا أمرت . قال : ومن ذاك ؟ قال : مان الموسوس . قال : أحسنت واللّه ، فتقدم إلى أصحاب الأرباع بطلبه فما كان بأسرع من أن أقتنصه صاحب ربع الكرخ ، فسار به إلى باب الأمير فأدخل الحمام وأخذ من شعره وألبس ثيابا نظافا ثم أدخل عليه ، فقال : السلام عليك يا أمير ، فقال : عليك السلام يا مان ، ألم يأن أن تزورنا على حين توقان منا إليك ، ومنازعة قلوبنا نحوك ؟ فقال مان : الشوق شديد ، والمزار بعيد ، والحجاب عتيد ، والبوّاب فظ عنيد ، ولو سهل الإذن لسهلت علينا الزيارة .
قال : لقد ألطفت في الاستئذان ، فلا تمنع في أيّ وقت جئت من ليل أو نهار .
ثم أذن له فجلس ، ثم دعا له بالطعام فأكل ثم غسل يديه وأخذ مجلسه ، وكان محمد قد تشوّق إلى السماع من تنوسة جارية ابنة المهدي ، فأحضرت فكان أوّل ما غنت :
هامش
( 148 ) - أعلام النساء 1 / 180 ، تراجم أعلام النساء 1 / 381 .