ومدارسهم وأسواقهم . . . فكأننا نعيش معهم . كما تبين لنا الفوارق التي تفرق بيننا وبينهم ، ومدى التطور الذي طرأ على البشرية خلال حقب التاريخ .
ولم يكن اهتداء العلماء إلى هذا النوع من التأليف عبثا ولا مضيعة للوقت ، ولا هدرا للطاقات ، ولا يتجرأ أحد على اتهام عقولهم بالقصور أو بالجنوح إلى ما لا جدوى منه ، وقد أثبتت الأيام فوائد ما ألّفوا .
وفوق ذلك كله فكتب تراجم الرجال ينبوع غزير ثرّ ، يروي نهم العلماء البحاثين على اختلاف مناهجهم واختصاصاتهم ، كعلماء الاجتماع والاقتصاد والطب والتاريخ وغير ذلك حتى نصل إلى الفنون والحرف ، فمن قرأها بإمعان وجد فيها ضروبا من التجارب والخبرات والحكم ، ولذلك عدّ فن التراجم من فروع علم التاريخ .
وقد ذكر اللّه تعالى في القرآن الكريم قصص بعض الأنبياء الكرام .
وكان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يحدّث أصحابه بأخبار من مضى ، ويحمّضهم بذلك كي لا يعتري الكلال هممهم . وقال :
أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ، فسير الرجال ينبغي أن تكون فدوة وعظة .
ويقول شيخ المؤرخين وعمدتهم تقي الدين أحمد بن علي المقريزي :
« من أرخ فقد حاسب الأيام عن عمره ، ومن كتب حوادث دهره فقد كتب كتابا إلى من بعده بحديث دهره ، ومن قيد ما شهد فقد أشهد عصره من لم يكن من أهل عصره ، فهو يهدي إلى الفضلاء أعمارا ، ويبوىء أسماعهم وأبصارهم ديارا ما كانت لهم ديارا » .
نزهة الفكر فيما مضى من الحوادث والعبر في التراجم رجال القرن الثاني عشر والثالث عشر قطعة منه — صفحة 5
مساهمون: أحمد بن محمد الحضراوي
ص٥