وما ينادي به البعض لنبذ الغث ، والعض على السمين ، حق ، ولكن كيف نفرق بين الغث والسمين دون أن نطلع على كليهما ؟ .
ثم على ناشر التراث حسن الاختيار ، وإطلاق الأحكام يجب أن يبنى على أسس سليمة .
ولا يزال الجدل قائما في الغرب والشرق ، ويتجاذب المفكرين رأيان : أولهما يقول : إن الإنسان هو الذي يصنع التاريخ ، فيجب علينا أن نعتني به ونربيه ونثقفه وندرسه ، والثاني يقول : إن التاريخ ( أي الظروف والأوضاع ) هي التي تصنع الإنسان ، وقد لا ينتهي هذا الجدل فهناك تداخل وتجاذب وتبادل بين الفرد والمجتمع ، ولكن يبدو أن كفة النظرية الأولى هي الراجحة ، ويدافع عنها كثير من العلماء والمؤرخين ، وهم يكثفون العناية بكتب السير والتراجم ، ويعكفون عليها جمعا ونشرا ودرسا ، بل منهم من نذر نفسه لها .
وفي الكتاب الذي بين أيدينا مثلا ثلاثمئة ترجمة لرجال كان لهم ذكر في مجتمعاتهم ومكانة ، كلّ حسب علمه ومقدرته ونشاطه وفنه ، فلو أحصينا أعمار هؤلاء لبلغت آلاف السنين ، سيقت على نسق مختار ، فكأن المؤلف - على وجه ما - قد أرخ هذه الأعوام كلها . ولا شك أنه بذل جهدا مضنيا في تصنيفه ملاحظة وتتبعا وتسجيلا .
فهل يجوز أن تهمل دراسة أعلامه .
وفي ظني أن هذا النوع من التصنيف جدير بالرعاية والاهتمام ، فالتراجم تغني وتمتع وتفيد وتربي وتهذب ، بأسلوب رفيع غير مباشر .
وتنقلنا كتب التراجم إلى عصور أصحابها ، فتنبئنا بأنماط من الحياة ، بل وتدخلنا إلى عقولهم وقلوبهم ومساكنهم ودور عبادتهم
نزهة الفكر فيما مضى من الحوادث والعبر في التراجم رجال القرن الثاني عشر والثالث عشر قطعة منه — صفحة 4
مساهمون: أحمد بن محمد الحضراوي
ص٤