الآرى والصاب في شقيه قد جمعا * والجهل والحلم والسلسال والشرر
تملي عليه المعاني الغر رائعة * قريحة كلهيب النار تستعر
يمدها خاطر لماع أبحره * حر البيان ونفث السحر لا الدرر
ومن خمائله عرف البلاغة * محمولا على فمه المطلول لا الزهر
كأنما النظم والنثر اللذان هما * وحي البلاغة منه الآي والسور
شاد وما لهزار الطير منطقه * ماض ومن دونه الهندية البتر
يجني ويغرس مرئيا ومستمعا * فيستطيب جناه السمع والبصر
يشجيه ان لا يرى عينا ويطربه * ان لم يعف لما قد خلفوا الأثر
للقوم ميراث مجد لا يشوق سوى * ترديد سامره آياته السمر
العلم عنهم قضاياه تلقنها * سواهم فارتقوا لو أنهم ذكروا
آباؤهم غارسوا ما طاب من ثمر * جان ولكن لغير الغارس الثمر
ما العبقرية ان لا ينهج الخلف * الباقي مناهج اسلاف له غبروا
ما الألمعية ان يعتادهم وسن * وقومهم قبلهم أضناهم السهر
ما الأريحية ان يجري حديثهم * ولا تهزهم العلياء والخطر
ما البر ان يدعوا حوضا تراثهم * للواردين وهم عن مائه صدروا
الغرب سار على ملحوب نهجهم * فكاد ينبع من راحاته الحجر
للعلم في كل قطر منه أندية * معمورة وجنان روضها نضر
البر والبحر والأجواء خاضعة * له وطوع يديه النوء والمطر
حوافل البر وهي الجامدات وما * عدو الظليم يجاريها ولا النظر
يحملن من معجزات العلم ما عجزت * عن حمله للبرايا تلكم القطر
نار وأبخرة ما بين أضلعها * والنار مشبوبها في جوفها القطر
على رطانتها فجر البلاغة والا * فصاح والحكم الغراء منفجر
كأنها حين تجري السيل منحدرا * وانما هي في حكم النهى جدر
ومنها :
الشرق بات وأهلوه وليس لهم * ورد من العيش محمودا ولا صدر
يمشون في ظلم والشمس مطلعها * فيهم وما غاب من آفاقهم قمر
أكدى وفيه ينابيع الغنى انفجرت * ولم يفض للغنى من ارضه نهر
لله فيها نواميس وأقضية * وليس يقضى لمن لم يرعها وطر
والعيش ما انفك غنما للقوي وللضعيف * منه هوان النفس والصغر
ومن ربيعياته وفيها أغراض شتى :
دارين قد حملت إليك ملابها * أم بابل أهدت إليك شرابها
أم جنة الخلد الربيع الطلق قد * فتحت يدا رضوانه أبوابها
برزت بحلته السما والأرض من * صنعاء أنمله اكتست جلبابها
فكان من كرم الطباع شميمه * ومن السجايا الرائعات مذابها
ومن القدود الناعمات غصونه * مياسة ومن الثغور رضابها
ان أنكروا للدهر عارفة وما * عرفوا له الا الحياة وصابها
فكفاه ان من الربيع وعرفه * ونسيمه للعارفات لبابها
خلعت عليه الخافقات نسيمها * غضا وحافلة السحاب ربابها
ان الربيع من الزمان شبابه * وهو المجدد للحياة شبابها
وإذا اشتكت أو صابها الأجسام داوى * في عليل نسيمه أو صابها
وإذا الفصول طوت معاجز ربها * نشر الربيع فصولها وكتابها
ان الشعوب لكالفصول ربيعها * ما أدركت بحياتها آرابها
وسرى كنافح عرفه عرفانها * يغشى مرابع عزها ورحابها
ومشت على سنن الإله ودافعت * عن حوضها واسترجعت أسلابها
لا ان تسل على القريب سيوفها * وتدق في صدر الصديق حرابها
للتافهات غدوها ورواحها * لا مجدها ترعى ولا أنسابها
مغلوبة حتى على أنفاسها * ونفيسها مسلوبة آدابها
موثوقة الأيدي وان من الشقاء * طعامها ومن الهوان شرابها
ان تمتلك أرفاقها فقد اصطفت * من دونها غرباؤها أخصابها
وإذا استهانت أمة من سنة * الباري أضاعت رشدها وصوابها
وطوت بدنياها صحيفة عيشها * طي الزمان خشاشها وذبابها
ومفاخر عربية ماشت * خوالدها السنين وصابرت أحقابها
هل يستعيد الدهر أمتها التي * وصلت بأسباب العلا أسبابها
فنعيد في الدنيا حضارتها وتجري * في الشروق وفي الغروب عرابها
مضمومة بعد النفار قلوبها * ضم المثقفة الصعاد كعابها
وتذب عن أوطانها ولسانها * بقواضب صقل الزمان ذبابها
ان السيوف إذا أطالت لبثها * بقرابها عاف الكماة قرابها
شمل الأذى حضريها في الدهر * والبادين في فلواتهم اعرابها
في كل يوم للأعاجم غارة * شعواء تذهل شيبها وشبابها
كادت تدق من الرماح صعادها * وتدك شم رعانها وهضابها
يأبى الاباء اليعربي وبأسها * إذلالها وعلى الأذى ألبابها
والأعوجية وهي بين بيوتها * مسروجة ما فارقت أطنابها
والعيس ما ملت حداء حداتها * تطري مناجيد الورى أنجابها
يحملن أقمار السماء طوالعا * فكان من أبراجها أقتابها
أهوى بواديها ولو أجرت بها * شمس الضحى في الهاجرات لعابها
وأحب رقراق السراب بجوها * ومن الحضارة قد مللت خلابها
أهوى من الشجرات عاسل خطها * جاني الإبا والعاسلات ذيابها
العز بين رواحل ومضارب * رفعت على هام النجوم قبابها
دعني واجناب المغارب انها * ألفت من الطير الكثير غرابها
وباسم تحضير المشارق صيرت * تحضيرها تدميرها وخرابها
مجت رطانة طيرها ولسانها * أسماعها وصياحها ونعابها
لم ترض فصحاها إذا هي آثرت * لغة ولا أحسابها وكتابها
لغة كان الحكمة الغراء قد * أملت عليها وحيها وخطابها
وكان من صوب العقول بيانها * ومن النفوس ولطفها اعرابها
لا يامن الفرق المحاول ضلة * مهما تفوق ان يخوض عبابها
ان تسترد ربيعها فربيعها * ان تستعيد كريمة آدابها
أو أجدبت فلتتخذ لخصابها * من معصرات المرهفات سحابها
ان الحياة هي الممات لامة * لم تجن الا مرها وعذابها
وقال بعنوان بين سياسة علي ع ومعاوية :
قالوا علي ضعيف في سياسته * بئس المقال الذي قالوا وما اقترفوا
قالوا ولو كان ذا رأي لما انصرفت * عنه الوجوه وعنه صحبه انصرفوا
كلا ولا فاز في ملك معاوية * وما له قدم فيه ولا سلف
ولم يطعه عصي من مقادته * ولا استلان له من حبله طرف
فقلت قول امرئ غير الحقيقة لا * يبغي وليس له في غيرها شغف
أكان من كان خير المرسلين له * مؤدبا عن هداه قط ينحرف
أو غير ما نهج المختار ينهج من * من بحره هو دون الناس مغترف
لم يعد منهج طه في سياسته * وهي التي ما بها حيف ولا جنف
أعيان الشيعة — صفحة 314
مساهمون: السيد محسن الأمين
ص٣١٤