والحقيقة مشاهدة الربوبيّة ، فكل شريعة غير مؤيّدة بالحقيقة فغير مقبول ، وكلّ حقيقة غير مقيّدة بالشّريعة فغير محصول إلى أن قال : سمعت الأستاد أبا على : ( قوله ) إيّاك نعبد ، حفظ للشريعة وإيّاك نستعين إقرار بالحقيقة واعلم انّ الشّريعة حقيقة من حيث إنّها وجبت بأمره ، والحقيقة أيضا شريعة من حيث إنّ المعارف به سبحانه أيضا وجبت بأمره « 1 » .
وقال أيضا في بعض خواتيم تلك الرّسالة ( فصل ) وبناء هذا الامر وملاكه على حفظ آداب الشّريعة ، وصون اليدعن المدّ إلى الحرام والشّبهة ، وحفظ الحواس عن المحظورات وعدّ الأنفاس مع اللّه عن الغفلات ، وان لا يستحلّ مثلا سمسمة فيها شبهة في أوان الضّرورات فكيف عند الاختيار ووقت الرّاحات « 2 » .
وقال أيضا في ذيل ترجمة الولي سمعت محمد بن عبد اللّه الصوفي يقول : سمعت محمّد بن أحمد النّجار ، يقول : سمعت الدقّى ، يقول : سمعت أبا بكر الزّقاق يقول :
كنت مارّا في تيه بني إسرائيل فخطر ببالي ، إنّ علم الحقيقة بيان للشّريعة ، فهتف بي هاتف كلّ حقيقة لا يتبعها الشريعة فهي كفر .
انتهى ما نقلناه عن الرّسالة وفي بعض كتب أصحابنا المتصوّفين الحقة أيضا في تعريف التصوّف واشتقاقه ، إنّ التّصوف اسم جامع لمعاني الفقر ومعاني الزّهد مع مزيد وإضافات ، لا يكون الرّجل بدونها صوفيّا وإن كان زاهدا أو فقيرا ، ومن المقرّر أنّ الأعمال معدّات لدخول الجنّة ، والآداب معدّات للقرب من اللّه ، والصوفيّة أهل القرب ، فيكون التّصوف كلّها آداب ! وإليه يشير ما قيل : طرق العشق كلّها آداب :
وقال أبو حفص النّيسابورى : التّصوف كلّه أدب ، فلكلّ وقت أدب ، ولكلّ حال أدب ، ولكل مقام أدب ، فمن لزم آداب الأوقات بلغ مبلغ الرّجال ، ومن ضيّع الآداب فهو بعيد .
هامش
( 1 ) القشيرية 46
( 2 ) نفس المصدر 203 .