وقال قوم من الأشاعرة : هو صفة حقيقية ذات تعلق ، وعند هؤلاء فثمة أمران : العلم ، وهو تلك الصفة . والعالمية ، أي ذلك التعلق . فعلى هذا لا يتعدد العلم بتعدد المعلومات ، إذ لا يلزم من تعلق الصفة بأمور كثيرة تكثّر الصفة إذ يجوز أن يكون لشيء واحد تعلقات بأمور متعددة .
وأثبت القاضي الباقلاني العلم الذي هو صفة موجودة ، والعالمية التي هي من قبيل الأحوال عنده . وأثبت معها تعلقا ، فإما للعلم فقط أو للعالمية فقط . فهذه ثلاثة أمور :
العلم ، والعالمية ، والتعلق الثابت لأحدهما وإما لهما معا ، فها هنا أربعة أمور : العلم والعالمية وتعلقاتهما .
وقال الحكماء : العلم هو الموجود الذهني ، إذ لا يعقل ما هو عدم صرف بحسب الخارج كالممتنعات . والتعلق إنما يتصور بين شيئين متمايزين ، ولا تمايز إلا بأن يكون لكل منهما ثبوت في الجملة ، ولا ثبوت للمعدوم في الخارج فلا حقيقة له إلا الأمر الموجود في الذهن وذلك الأمر هو العلم ، وأما التعلق فلازم له . والمعلوم أيضا فإنه باعتبار قيامه بالقوة العاقلة علم ، وباعتباره في نفسه من حيث هو هو معلوم . فالعلم والمعلوم متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار . وإذا كان العلم بالمعدومات كذلك وجب أن يكون سائر المعلومات أيضا كذلك ، إذ لا اختلاف بين أفراد حقيقة واحدة نوعية . كذا في ( شرح المواقف ) قال ميرزا زاهد : هذا في العلم الحصولي . وأما في الحضوري فالعلم والمعلوم متحدان ذاتا واعتبارا ، ومن ظن أن التغاير بينهما في الحضوري أيضا اعتباري كتغاير المعالج والمعالج ، فقد اشتبه عليه التغاير الذي هو مصداق تحققهما بالتغاير الذي هو بعد تحققهما . فإنه لو كان بينهما تغاير سابق لكان العلم الحضوري صورة منتزعة من المعلوم وكان علما حصوليا .
* * * ثم اعلم أن محل العلم الحادث سواء كان متعلقا بالكليات أو بالجزئيات عند أهل الحق غير متعين عقلا ، بل يجوز عندهم عقلا أن يخلقه اللّه تعالى في أي جوهر أراد من جواهر البدن لكن السمع دل على أنه القلب ، قال اللّه تعالى :
فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها
وقال :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
.
هذا وقال الحكماء : محل العلم الحادث النفس الناطقة أو المشاعر العشر الظاهرة والباطنة .
وقد اختلف المتكلمون في بقاء العلم والعقل بعد الموت في الجنة . فالأشاعرة قضوا