فإني إن ألمّ الخطب يوما * وضاق بحمله وجه الثراء
وطاشت عنده أحلام قوم * وحاد الآخرون إلى الوراء
أقوم به إذا قعدوا لديه * وأدفعه إذا أعيا سوائي
وما المرء المكمّل غير حرّ * له عند العنا كلّ الغناء
تساوى عنده خير وشرّ * يرى طعم المنية كالمناء
يحوز السبق في أمن وخوف * ويكرم عند فقر أو غناء
تراه وهو ذو طمرين يمشي * بهمّته على هام السماء
تقدّمه فضائله إذا ما * تفاخر بالملا كلّ الملاء
ألا إن الفتى ربّ المعالي * إذا حقّقت لا ربّ الثراء
ومن حاز الفضائل غير وان * فذاك هو الفتى كلّ الفتاء
فما الشرف الرفيع بحسن ثوب * ولا دار مشيّدة البناء
ولا بنفوذ قول في البرايا * فإنّ نفوذه أصل البلاء
فرأس المجد عند الحرّ علم * يجود به على غاد وجائي
إذا ما المرء قام بكل فنّ * قياما في السموّ إلى السماء
وصار له بمدرجه صعود * إلى عين الحقيقة والجلاء
وقام لدفع معضلة وحلّ * لمشكلة ورفع للخفاء
فذاك الفرد في ملأ المعالي * كما الفرد ابن يحيى في الملاء
فتى يهتزّ عطف الدهر شوقا * إليه لأنه ربّ العلاء
إذا ما جال في بحث ذكاه * تنحّى عنه أرباب الذكاء
وإن ما رآه ذو لدد أتاه * بما يثنيه عن شوط المراء
تقاصر عن مداه كلّ حبر * لما يلقاه من بعد المداء
فيا من صار في سلك المعالي * هو الدرّ النفيس لكل راء [ 164 ]
وضمّخ مسمع الأيام طيبا * بما قد طاب من حسن الثناء
وقام بفترة الآداب يدعو * وفي يمناه خافقة اللّواء
بلغت من العلوم إلى مكان * تمكّن في السّمو وفي السّناء
البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع — صفحة 388
مساهمون: محمد بن علي الشوكاني
ص٣٨٨