بروم إيلي مع عقارات خاله الوزير أسعد باشا الشهير . فترقى بذلك أوج السعادة .
وبعد برهة من الزمان أنعم عليه برتبة الوزارة ، فأتت إليه منقادة ، مع الإنعام بمنصب صيدا ، وذلك سنة ست وسبعين ومائة وألف . وأرخ له ذلك العالم الأديب الشريف صالح بن عبد الشافي الغزاوي نزيل دمشق بقصيدة طويلة تاريخها . قوله : ( شبك العلا صادت لمجدكم صيدا ) « 1 » فنهض من دمشق إليها وسار السيرة الحسنة بين أهليها . ثم انفصل عنها وولي حلب ، فدخلها رابع عشرى شعبان سنة سبع وسبعين ومائة وألف . وكانت حلب مجدبة ولم يصبها المطر ، فحصل بيمن قدومه كثرة أمطار ورخاء أسعار ونمو زروع . وعامل أهلها بالشفقة والإكرام . ورفع عنهم من البدع ما كان ثلما في الإسلام . فأثلج بذلك الصدور ، وأحيا معالم السرور ، منها إزالة منكر كان قد حدث بها سنة إحدى وسبعين ومائة وألف . وذلك أنه جرت العادة في بعض محلاتها أن تفتح حانات القهوة ليلا وتجتمع بها الأوباش ، إلى أن زاد البلاء ، وفجرت النساء ، مع ما ينضم إلى ذلك من شرب الخمور وفعل المنكرات وأنواع الفساد . فحانت التفاتة من صاحب الترجمة في بعض الليالي من السطح إلى ذلك . فقصده مختفيا وأزاله . وفي ثاني يوم أمر بإزالة هذا المنكر . ونبّه على أن لا تفتح الحانات ليلا أبدا .
فطوى بسبب ذلك بساط الفجور وانجلى من ظلمة المعاصي الديجور .
ومن جملة ما رفعه من المظالم بحلب حين توليه لها بدعة الدومان عن حرفة الجزارين التي أوغرت صدور المسلمين . وكان حدوثه بها سنة إحدى وستين بعد المائة والألف . والدومان اسم لمال يجتمع من ظلامات متنوعة . يستدان من بعض الناس بأضعاف مضاعفة من الربا .
ويصرفه متغلبو هذه الحرفة في مقاصدهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة . وطريقتهم في وفائه أن يباع اللحم بأوفى الأثمان للناس من فقراء وأغنياء ، وتؤخذ الجلود والأكارع والرؤوس والكبد والطحال بأبخس ثمن من فقراء الجزارين جبرا وقهرا . كل ذلك يصدر من أشقياء الجزارين ومتغلبيهم ، إلى أن هجر أكل اللحم الأغنياء فضلا عن الفقراء ، وأعضل الداء « 2 »
واتفق أنه في سنة ست وسبعين كان قاضيا بحلب المولى أحمد أفندي الكريدي فسعى في رفع هذه البدعة فلم تساعده الأقدار . فباشر بنفسه محاسبة أهل هذه الحرفة الخبيثة . ورفعها وكتب عليهم صكوكا ووثائق وسجّلها في قلعة حلب . فلما عزل عاد كل شيء لما كان عليه . فلما كان أواخر محرم سنة ثمان وسبعين قبض صاحب الترجمة على رئيسهم كاورحجي وقتله .
هامش
( 1 ) تساوي 1176 .
( 2 ) كان يجري مثل ذلك تماما في دمشق . وكان المتغلبون يأخذون ( المقادم والرؤوس ) من الجزارين ، ويطرحونها في باب توما في ( برج الروس ) ، وتحرج الناس في شرائها فألف الشيخ عبد الغني النابلسي رسالة في حل أكلها وسماها : « تطييب النفوس في حكم المقادم والروس » .