وكم عاثر منا أخذت بضبعه * فأضحى له في قلة المجد مطلع
فدونكها لولا ليان نسيبها * لظلت صلاب الصخر منها تصدع
لها أخوات قبلها قد سمعتها * وإن لم ترع بي مدتي فستسمع
ومن مختار شعر أبي تمام في أبي سعيد قوله :
أبا سعيد وما وصفي بمتهم * على المعالي وما شكري بمخترم
لئن جحدتك ما أوليت من حسن * اني لفي اللؤم أحظى منك في الكرم
أمسى ابتسامك والألوان كاسفة * تبسم الصبح في داج من الظلم
كذا أخوك الندى لو أنه بشر * لم يلف طرفة عين غير مبتسم
رددت رونق وجهي في صحيفته * رد الصقال بهاء الصارم الخذم
وما أبالي وخير القول أصدقه * حقنت لي ماء وجهي أو حقنت دمي
ومن قوله فيه :
فتى فيصلي العزم تعلم أنه * نشا رأيه بين السيوف الصوارم
إذا سار فيه الظن كان بكل ما * تؤمل من جدواه أول قائم
أساءت يداه عشرة المال بالندى * وأحسنتا فينا خلافة حاتم
ومن عيون الشعر قول أبي تمام يمدح أبا سعيد محمد بن يوسف
الثغري ويصف وقعته بالخرمية من قصيدة .
أبى فلا شنبا يهوى ولا فلجا * ولا احورارا يراعيه ولا دعجا
كفي فقد فرجت عنه عزيمته * ذاك الولوع وذاك الشوق فانفرجا
كانت حوادث في موقان ما تركت * للخرمية لا رأسا ولا ثبجا
تهضمت كل قرم كان مهتضما * وفتحت كل باب كان مرتتجا
لما قرا الناس ذاك الفتح قلت لهم * وقائع حدثوا عنها ولا حرجا
أضاء سيفك لما اجتث أصلهم * ما كان من جانبي تلك البلاد دجا
من بعدما غودرت أسد العرين به * يتبعن قسرا رعاع الفتنة الهمجا
لا تعد من بنو نبهان قاطبة * مشاهدا لك أمست في العلى سرجا
ان كان يأرج ذكر من براعته * فان ذكرك في الآفاق قد أرجا
ويوم أرشق والآمال مرشقة * إليك لا تبتغى عنك منعرجا
أرضعتهم خلف مكروه فطمت به * من كان بالحرب منهم قبله لهجا
لله أيامك اللاتي أغرت بها * ضفر الهدى وقديما كان قد مرجا
كانت على الدين كالساعات من قصر * وعدها بابك من طولها حججا
عادت كتائبه لما قصدت لها ضحا ضحا ولقد كانت ترى لججا
لما أبوا حجج القرآن واضحة * كانت سيوفك في هاماتهم حججا
وأقبلت فحمة جاواء ليس ترى * في نظم فرسانها أمتا ولا عوجا
إذا علا رهج جلت صوارمها * والذبل السمر منها ذلك الرهجا
بيض وسمر إذا ما غمرة زخرت * للموت خضت بها الأرواح والمهجا
نزالة نفس من لاقت ولا سيما * إن صادفت ثغرة أو صادفت ودجا
رأي الحميدين ألقحت الأمور به * من ألقح الرأي في يوم الوغى نتجا
لو عايناك لقالا بهجة جذلا * أبرحت أيسر ما في العرق أن يشجا
أخطت بالحزم حيز وما أخاهمم * كشاف طخياء لا ضيقا ولا حرجا
سموا حسامك والهيجاء مضرمة * كرب العداة وسموا رأيك الفرجا
ان ينج منك أبو نصر فعن قدر * تنجو الرجال ولكن سله كيف نجا
وشزب مضمرات طالما خرقت * من القتام الذي كان الوغى نسجا
ويوم سفيين يوم الروع تحسبهم * هوجا وما عرفوا أفنا ولا هوجا
لو أن فعلك أمسى صورة لثوى * بدر الدجى أبدا من حسنها سمجا
ومن جيد شعر أبي تمام في أبي سعيد قوله من أبيات
ولقد أتيتك صاديا فكرعت في * شيم ألذ من الزلال البارد
فمهدت لاسمك منزلا ومحلة * في الشعر بين شوارد وشواهد
فهو المراح لكل معنى عازب * وهو العقال لكل بيت شارد
ومن قوله في أبي سعيد .
محرمة اكفال خيلك في الوغى * ومكلومة لباتها ونحورها
حرام على أرماحنا طعن مدبر * وتندق في أعلى الصدور صدورها
ومن غرر مدائحه في أبي سعيد قوله يمدحه ويصف ايقاعه ببابك
الخرمي من قصيدة .
يا بعد غاية دمع العين إن بعدوا * هي الصبابة طول الدهر والسهد
قالوا الرحيل غدا لا شك قلت لهم * الآن أيقنت ان اسم الحمام غد
كم من دم يعجز الجيش اللهام إذا * بانوا ستحكم فيه العرمس الأجد
كأنما البين من الحاحه أبدا * على النفوس أخ للموت أو ولد
تداو من شوقك الأقصى بما فعلت * خيل ابن يوسف والابطال تطرد
ذاك السرور الذي آلت بشاشته * أن لا يجاورها في مهجة كمد
في موقف وقف الموت الذعاف به * فالمجد يوجد والأرواح تفتقد
في حيث لا مرتع البيض الرقاق إذا * اصلتن جدب ولا ورد القنا ثمد
مستصحبا نية قد طال ما ضمنت * لك الخطوب فأوفت بالذي تعد
ورحب صدر لو أن الأرض واسعة * كوسعه لم يضق عن أهله بلد
صدعت جريتهم في عصبة قلل * قد صرح الماء عنها وانجلى الزبد
من كل أروع ترتاع المنون له * إذا تجرد لا نكس ولا جحد
يكاد حين يلاقي القرن من حنق * قبل السنان على حوبائه يرد
قلوا ولكنهم طابوا فأنجدهم * جيش من الصبر لا يحصى له عدد
نأوا عن الصرخ الأدنى فليس لهم * إلا السيوف على أعدائهم مدد
ولى معاوية عنهم وقد اخذت * فيه القنا فأبى المقدار والأمد
نجاك في الروع ما نجا سميك في * صفين والخيل بالفرسان تنجرد
ان تنفلت وأنوف الموت راغمة * فاذهب فأنت طليق الركض بالبد
لا خلق أربط جاشا منك يوم ترى * أبا سعيد ولم يبطش بك الزؤد ( 1 )
أما وقد عشت يوما بعد رؤيته * فافخر فإنك أنت الفارس النجد
لو عاين الأسد الضرغام صورته * ما ليم ان ظن رعبا انه الأسد
لا يوم أكثر منه منظرا حسنا * والمشرفية في هاماتهم تخد
كأنها وهي في الأوداج والغة * وفي الكلى تجد الغيظ الذي تجد
من كل ازرق نظار بلا نظر * إلى المقاتل ما في متنه إود
كأنه كان ترب الحب مذ زمن * فليس يعجزه قلب ولا كبد
تركت منهم سبيل النار سابلة * في كل يوم إليها عصبة تفد
وهارب ودخيل الروع يجلبه * إلى المنون كما يستجلب النقد ( 2 )
كأنما نفسه من طول حيرتها * منها على نفسه يوم الوغى رصد
يوم به أخذ الايمان زينته * بأسرها واكتسى فخرا به الأبد
يوم يجئ إذا قام الحساب ولم * يذممه بدر ولم يفضح به أحد
وأهل موقان إذ ماقوا فلا وزر * أنجاهم منك في الهيجا ولا سند
لم تبق مشركة إلا وقد علمت * ان لم تنب انه للسيف ما تلد
هامش
( 1 ) ( الزؤد ) بضمتين الفزع
( 2 ) ( النقد ) صغار الغنم - المؤلف -