وقولها ودموع العين واكفة * هذا الفراق الذي كنا نحاذره
هل أنت يا رفقة العشاق مخبرتي * عن الخليط الذي زمت أباعره
وهل رأيت امام الحي جارية * كالجؤذر الفرد تقفوه جاذره
وأنت يا راكبا يزجي مطيته * يستطرق الحي ليلا أو يباكره
إذا وصلت فعرض بي وقل لهم * هل واعد الوعد يوم البين ذاكره
ما أعجب الحب يمسي طوع جارية * في الحي من عجزت عنه مساعره
يا أيها العاذل الراجي انابته * والحب قد نشبت فيه أظافره
لا تتعبن فما يدري لحرقته * أأنت عاذله أم أنت عاذره
* * *
وراحل أوحش الدنيا برحلته * وان غدا معه قلبي يسايره
هل أنت مبلغه عني بأن له * حبا تمكن في قلبي يجاوره
وانني من صفت منه سرائره * وصح باطنه منه وظاهره
وما أخوك الذي يدنو به نسب * لكن أخوك الذي تصفو ضمائره
وانني واصل من أنت واصله * وانني هاجر من أنت هاجره
ولست واجد شئ أنت عادمه * ولست غائب شئ أنت حاضره
أبا حصين وخير القول أصدقه * أنت الصديق الذي طابت مخابره
وافى كتابك مطويا على نزه * يحار سامعه فيه وناظره
لولا اعتذار اخلائي بك انصرفوا * بوجه خزيان لم تقبل معاذره
أين الخليل الذي يرضيك باطنه * مع الخطوب كما يرضيك ظاهره
اما الكتاب فاني لست أذكره * الا تبادر من دمعي بوادره
يجري الجمان على مثل الجمان به * وينثر الدر فوق الدر ناثره
والعين ترتع فيما خط كاتبه * والسمع ينعم فيما قال شاعره
* * *
انا الذي لا يصيب الدهر غرته * ولا يبيت على خوف مجاوره
يمسي وكل بلاد حلها وطن * وكل قوم غدا فيهم عشائره
وما تمد له الاطناب في بلد * الا تضعضع باديه وحاضره
اني لأرعى حمى الجبار مقتدرا * وأورد الماء قهرا وهو حاضره
لي التخير مشتطا ومنتصرا * وللأفاضل بعدي ما أغادره
وكيف ينتصف الأعداء من رجل * العز أوله والمجد آخره
فمن سعيد بن حمدان ولادته * ومن علي بن عبد الله سائره
القائل الفاعل المأمون نبوته * والسيد الذائد الميمون طائره
بنى لنا العز مرفوعا دعائمه * وشيد المجد مشتدا مرائره
فما فضائلنا الا فضائله * ولا مفاخرنا الا مفاخره
زاكي الأصول كريم النبعتين ومن * زكت أوائله طابت أواخره
لقد فقدت أبي طفلا فكان أبي * من الرجال كريم العود ناضره
هو ابن عمي دنيا حين انسبه * لكنه لي مولى لا أناكره ما
زال لي نجوة مما أحاذره * لا زال في نجوة مما يحاذره
وانما وقت الدنيا موقيها * منه وعمر للاسلام عامره
هذا كتاب مشوق القلب مكتئب * لم يال ناظمه جهدا وناثره
وقد سمحت غداة البين مبتدئا * من الجواب بوعد أنت ذاكره
بقيت ما غردت ورق الحمام وما * استهل من واكف الوسمي باكره
حتى تبلغ أقصى ما تؤمله * من الأمور وتكفى ما تحاذره
فاجابه القاضي أبو حصين بقوله من قصيدة :
من واثب الدهر كان الدهر قاهره * ومن شكا ظلمة قلت نواصره
ان كان سار فان الروح تذكره * والعين تبصره والقلب حاضره
يا من أخالصه ودي وأمحضه * نصحي وتأتيه من وصفي جواهره
اتى كتابك والأنفاس خافتة * والجسم مستسلم والسقم قاهره
والطرف منكسر والشوق طارقه * والوجد باطنه والصبر ظاهره
فانتاشني وأعاد الروح في بدني * وشد صدعا وكسرا أنت جابره
منها في سيف الدولة :
حسبي بسيدنا فخرا أصول به * هو الفخور وما خلق يفاخره
من ذا يطاوله أم من يماجده * أم من يساجله أم من يكاثره
أم من يقاربه في كل مكرمة * أم من يناضله أم من يساوره
الحرب نزهته والباس همته * والسيف عزمته والله ناصره
والجود لذته والشكر بغيته * والعفو والعرف والتقوى ذخائره
ومنها :
هذا جواب عليل لا حراك به * قد خانه فهمه بل مات خاطره
يشكو إليك بعادا عنك اتلفه * وطول شوق ونيرانا تخامره
ان كان قصر فيما قال مجتهد * فأنت بالعدل والاحسان عاذره
وكان للقاضي أبي حصين ابنان أبو الحسن وأبو الهيثم فقتل أبو الحسن
ثم أسر أبو الهيثم من حمص فكتب اليه أبو فراس من الأسر :
يا قرح لم يندمل الأول * فهل بقلبي لكما محمل
جرحان في جسم ضعيف القوى * حيث أصابا فهو المقتل
تقاسم الأيام أحبابا * وقسمها الأفضل فالأفضل
فليتها إذ اخذت قسمها * عن قسمنا تغمض أو تغفل
ففدية المأسور مقبولة * وفدية المقتول لا تقبل
لا تعدمن الصبر في حالة * فإنه للخلق الأجمل
وعشت في عز وفي نعمة * وجدك المقتبل المقبل
وكتب إلى القاضي أبي الحصين عند أسر ابنه أبي الهيثم :
أيا راكبا نحو الجزيرة جسرة * عذافرة ان الحديث شجون
من الموخدات الضمر اللاء وخدها * كفيل بحاجات الرجال ضمين
تحمل إلى القاضي سلامي وقل له * الا ان قلبي مذ حزنت حزين
وان فؤادي لافتقاد أسيره * أسير بأيدي الحادثات رهين
أحاول كتمان الذي بي من الأسى * وتأبى غروب ستره وشؤون
لعل زمانا بالمسرة ينثني * وعطفة دهر باللقاء تكون
الا لا يرى الأعداء فيك غضاضة * فللدهر بؤس قد علمت ولين
وأعظم ما كانت همومك تنجلي * واصعب ما كان الزمان يهون
وفي بعض من يلقي إليك مودة * عدو إذا كشفت عنه مبين
إذا غير البعد الهوى فهوى أبي * حصين منيع في الفؤاد حصين
فلا برحت بالحاسدين كآبة * ولا رقات للشامتين عيون
المراسلة بينه وبين محمد بن أفلح الكاتب
كتب محمد بن أفلح الكاتب إلى أبي فراس كتابا فيه نظم ونثر
فاستحسن أبو فراس نظمه ونثره واجابه بقوله :
وافى كتابك مطويا على نزه * تقسم الحسن بين السمع والبصر
أعيان الشيعة — صفحة 356
مساهمون: السيد محسن الأمين
ص٣٥٦