وكيف تأمل في انهاض من خلقوا * مجوفين خلوا من كل تفكير
عدوا على الناس ناسا انما لهم * ( جسم البغال وأحلام العصافير )
مخبلون فلا شئ يحركهم * من عاطفات ومن حسن وتقدير
وما يدغدغ هذا الكون من أمل * ومن ترقب آفاق من النور
تحيي الوجود بفيض من مراحمها * وتظهر الكون في أبهى التصاوير
فيغمضون على الاقذاء أعينهم * ويرضخون لحمل القيد والنير
ويهربون إذا ما أبصروا قبسا * كأنهم بعض جرذان المجارير
ويفزعون إلى الماضي وظلمته * ويؤمنون بمكذوب الأساطير
كيما يزحزح عنهم من نذالتهم * خيال مستقبل جم المحاذير
وما يكلف من بذل وتضحية * وما يحمل من جد وتشمير
وكم يعز عليهم ان يجردهم * أثواب لؤم وبهتان وتزوير
قد ألبسوها صغارا منذ نشأتهم * فأصبحت تتحدى كل تأثير
ومن تكون على الأقذار عيشته * فلن يطيب له عرف الأزاهير
دعهم وشأنهم لا ترج منقلبا * فلن توفق في هدي وتبشير
ومن تجرد من وعي وعاطفة * لن يستجيب لتنبيه وتحذير
أيأملون ببعث بعد موتهم * وفي حياتهم عاشوا كمقبور
لا أحسنوا عملا كالمحسنين ولا * قلوبهم أوجعتها حال موتور
ولا تحلوا بفضل أو بمكرمة * ولم يكن سعيهم يوما بمشكور
لينعموا في غد من فضل ربهم * بالطيبات وبالولدان والحور
كلا ولا ظلموا ظلما يكلفهم عقاب * من امعنوا في الظلم والجور
ولا أصابوا من اللذات آثمها * ولا استباحوا جهارا أي محظور
كانوا ثعالى فضالات الأسود لهم * يحلو لهم نبشها بين الأحافير
خرس مع الغير نباحون بينهم * ساحات مجدهم حول التنانير
وهل يعد سلاحا يستطال به * ناب الكلاب وأظفار السنانير
فليطمئنوا فلن يحظوا بمنزلة * مهما أطالوا بتهليل وتكبير
فالله يعلم ما تخفي سرائرهم * وليس يخدعه كذب الأسارير
ولن يكون غدا في دار نعمته * ودار نقمته حظ لمغمور
سيصطفي كل كفو كي يجاوره * من الميامين من بر وشرير
لذا الجنان فحتما سوف تلفظهم * وفي جهنم لن يحظوا بتنور
وسوف يبقون في أجداثهم رمما * ولا يقومون يوم النفخ في الصور
وقال يرثي أحد أصدقائه :
زهو الفتوة والشباب * وفتون أحلام التصابي
والثائرات من الرغائب * والأماني العذاب
كيف ارتضيت لها الركود * ولم تثرها لانسياب
وتركتها نهب الفناء * رهينة الأرض اليباب
من بعد ما كانت تجيش * بأفق صدرك كالعباب
وا حسرتاه على شبابك * يستحيل إلى تراب
ويغيب نجمك في الظلام * وأنت في شرخ الشباب
ويعفر الوجه الجميل * وكان يسطع كالشهاب
يا ليث معترك الحياة * يجوس في أكناف غاب
والزهرة الفيحاء ما * بين الأحبة والصحاب
وغياث أهلك في * الشدائد والملمات الصعاب
قد كنت آمل ان أراك * وأنت في أسنى أهاب
ويعود يزهو عيشنا * بلذيد قرب مستطاب
من بعد ما شطت بنا * دنيا الجريمة والكذاب
وسعت أفاعيها لدس * السم في صافي الشراب
يا بؤس ما أملته * كيف استحال إلى اكتئاب
فذهبت تمعن في البعاد * ولا تفكر في الاياب
وحرمت حتى من وداعك * قبل مشئوم الغياب
وتواعد مرة مع السيد نور الدين بدر الدين ان يذهب كل منهما
فيلتقوا على نهر الليطاني ، ولكن المترجم اضطر لاخلاف الموعد فأرسل اليه
السيد نور الدين قصيدة قال في مطلعها :
لم لم تف فيما وعدت وتحضر * وتحيد عن سنن الوفا يا جعفر
وختمها بقوله :
ولقد هجوتك دون خوف ساخطا * وحكمت بالاجماع انك ( ازعر )
فأجابه المترجم بقوله :
ما كنت كذابا ولا انا ( ازعر ) * تنفي الحقيقة ما تقول وتنكر
تأبى لي السوآت نفس عفة * وسريرة بيضا وقلب أطهر
لو كان يدري الناس بعض فضائلي * لغدوت ( أرقى ) عندهم ( وأبخر )
ولو انني قد عشت في زمن مضى * صلوا علي مع النبي وكبروا
ولكان لي فوق البسيطة منبر * أرقى اليه وفي القيامة منبر
ولعشت ( ديكا ) في الحياة وبعدها * حور وولدان ودف ينقر
لكنما وهنا يتعتع مقولي * حظ ( الحقير ) بذي الحياة معثر
ما رحت اطلب من زماني بغية * الا وراح لما أروم يؤخر
ولو أن عنتر مثل حظي حظه * قسما لما قهر الفوارس عنتر
قد كنت ارغب في لقاك وانما * حكم القضا وصروفه لا تقهر
فاستبدل الطقس الجميل بعكسه * وتأججت نار وهبت صرصر
مع ذاك دمت على المسير مصمما * ولو أنه الموت الزؤام الأحمر
ايهاب من حر الهجير ولفحه * من في غد وسط الجحيم سيحشر
أم هل يخاف من الشموس تغيرا * من وجهه في الظل أسود أغبر
لكنني غيرت رأيي بعد ذا * علما بأنك للمواعد تخفر
لا سيما والطقس غير ملائم * فالعذر أهون ما يكون وأيسر
وعرفت انك ذو مزاج ناعم * ضوء السراج على البياض يؤثر
ان هبت النسمات خلت بأنها * جاءت لقامتك الرشيقة تهصر
أتقول عني ( ازعر ) و ( مشفط ) * مهما جريت فعن لحاقك اقصر
ان كنت ( نوريا ) فإنك ( أنور ) * أو كنت طبالا فأنت مزمر
وكذا المكارم ان جهلت وراثة * فأبوك قبلك ذو المآثر حيدر
وعند ما تزوج السيد نور الدين بدر الدين في أواخر الحرب العالمية
الثانية أرسل اليه المترجم هذه القصيدة :
أعيان الشيعة — صفحة 140
مساهمون: السيد محسن الأمين
ص١٤٠