وعاش في مدّة عمره موسرا مرفّها ، مسعود الحركات ، رغد العيش ، دائم السّرور ، مع الديانة والصيانة والعفّة وكثرة الصدقات .
وكان له شعر بليغ ، كان ينظمه في أوقات فراغه ترويحا لخاطره . فمنه قوله من قصيدة امتدح بها ابن خاله العلّامة أحمد الصديقي ، لمّا ولي قضاء مكّة سنة خمس عشرة ومائة وألف ، مطلعها :
لمن دمن بالرقمتين فحاجر * محت رسمها أيدي الرياح الأعاصر
أزلت بها دمعي وصنت سريرتي * فأبدت دموعي ما حوته سرائري
فلا تحسبن ما تسكب العين أدمعا * ولكنّها روحي جرت من محاجري
ديار بها حزني ووجدي ولوعتي * وشوقي وأشجاني وقلبي وخاطري
ومنها في المديح :
له في ذرا العلياء أرفع رتبة * توارثها عن كابر بعد كابر
ومنها في الختام :
فلا زلت في عزّ يدوم ورفعة * وتقليد إنعام ونشر مآثر
مدى الدّهر ما فاه اليراع بمدحكم * وغرّد قمريّ بروض أزاهر
وله غير ذلك . توفّي ليلة الجمعة ثاني عشر رمضان سنة ثماني عشرة ومائة وألف ، بعد أن أخذه الفواق نحو ساعتين من الليل ، وهو قاعد صحيح العقل ، يكثر من الشهادتين . فتوفّي قبل الفجر ، ودفن بتربة مرج الدحداح . رحمه اللّه تعالى .
السيّد عبد الرحمن الكيلاني - 1172 ه
السيد عبد الرحمن بن عبد القادر بن إبراهيم بن شرف الدّين بن أحمد بن عليّ الكيلاني الحنفيّ الحموي القادريّ ، نزيل دمشق ، وأحد صدورها الأعلام ، السيّد الشريف العالم الفاضل المدقّق المحقّق الأديب الماهر النبيه المتفوّق الناظم الناثر البارع .
ولد بحماة في سنة ثلاثين ومائة وألف . وقدم دمشق مع والده كما أسلفنا ذلك في ترجمته .
وقرأ على بعض الشيوخ ، كالشيخ أحمد المنيني ، والشيخ محمّد الكردي . نزيل دمشق ، والشيخ صالح الجينيني ، والشيخ حسن المصري ، نزيل دمشق ، والشيخ أحمد البهنسيّ الدمشقيّ .
وحصّل الفضل والأدب ، وسافر إلى قسطنطينيّة ، وعاد بنقابة دمشق ، وتولّاها غير مرّة مع رتبة السليمانية المتعارفة بين الموالي . ولمّا كان نقيبا قامت عليه رعاع الأشراف ، وهجموا على دارهم الكائنة بالقرب من باب القلعة . وأرادوا إيقاع الضرر وتحريك الفتنة ، وكان ذلك بإغراء بعض الأعيان . ثم عزل في أثناء ذلك ، واستقام بداره منزويا ، وتراكمت عليه الأمراض والعلل ، إلى أن مات ، ولم تطل مدّته .