أم الكون يجلّ في مروط مسرّة * منمنم برد الصفو أزهر زاهيا
أم افترّ ثغر الدّهر بالبشر والمنى * وأصبح طلق الوجه يدني الأمانيا
أم الفكر من روض البلاغة يجتني * أزاهر آداب ويرعى أقاحيا
وما بال أرض الروم تندى رياضها * وينفح مسكا تربها وعواليا
كأنّ نسيم النيربين عشيّة * يهاجر ذيلا عاطر النشر ضافيا
ومالي أرى الأغصان تهتزّ معطفا * إذا عندليب الروض غرّد شاديا
وتختال سكرا في رباها إذا احتست * مدامة طلّ قد ترقرق صافيا
وقد تخذت تيجانها من زبرجد * مرصّعة من زهرها بلآليا
وأصغت بآذان لها سندسية * كما استصرخ المرتاد جردا مذاكيا
كأنّ بها شوقا ملحّا ونشطة * تسمّع ما أضحى له الدّهر راويا
قواف من الشعر البديع بيانه * أتت للمعاني السافرات قوافيا
عقيلة فكر تزدهي في ملابس * من الحسن أضحت تستثير التصابيا
حوت حرّ أنواع الكلام جزالة * ودقّت معانيها ورقّت حواشيا
ووافت كزهر الروض تندى غضارة * ويعبق من أنفاسها المسك زاكيا
وهاجت لي الشوق المبرّح وانثنت * تذكّرني ما لم أكن قطّ ناسيا
وماست دلالا فاستثارت بدلّها * كوامن أشجان الفؤاد الأقاصيا
عليها بدا من رونق السحر مسحة * تريك المعاني الشاسعات دوانيا
تدفّق عن ماء البلاغة لفظها * فروّى من الأذهان ما كان صاديا
وقد أسكر الأسماع صرف مدامها * فأضحت بها الأفكار نشوى صواحيا
أتتني من خلّ بعيد مزاره * على أنّه في القلب ما زال ثاويا
هو البارع المفضال والأوحد الذي * غدا الدّهر من ألفاظه الغرّ حاليا
همام أطاعته القوافي وطالما * على غيره أضحت صعابا عواصيا
وقد سال منه الطبع عن ماء مزنة * يسحّ سحابا بالفضائل هاميا
وأطلع من أفق الفضائل ذكره * شهابا لمعتام الدقائق هاديا
فللّه ما أنداه طبعا وفكرة * وأذكاه زندا في المباحث واريا
فيا أيّها المولى الذي لم يزل إلى * مراقي العلا فوق السّماكين ساميا
إليك على شحط المنازل نفثة * لمصدور أشواق تعمّ النواحيا
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر — صفحة 28
مساهمون: أكرم حسن العلبي
ص٢٨