وقادني المجون والخلاعة ، إلى هذه الصناعة ، والاجتهاد أربح بضاعة . لكنني لا آلف إلا أصحاب البراعة واليراعة .
فقال له بشار : يا قرّة الأبصار ، وخيرة الشمس والأقمار ، لا أظنّك إلا شريف النّجار ، بمدلول : إذا عذبت العيون طابت الأنهار . فما دمت على هذه الشارة والشيار ، يكفيك مقلّب الليل والنهار ، ومسيّر الجواري على البحار ، عن معاونة الموالي والأنصار .
إنّ البطالة والكسل * أحلى مذاقا من عسل
الناس في هوساتهم * والدبّ يرقص في الجبل
أما القناعة والعمل * يدني المطالب والأمل
ملك كسرى تغني عنه كسرة ، وعن البحر اجتراء بالوشل . فقال نعم :
إذا المرء لم يستأنف المجد نفسه * فلا خير فيما أورثته جدوده
ثم شرع يشمّر عن ساعدين مثل اللجين ، ويحلّ أزرار اللّبات عن الأجرام الزاهرات :
كالبدر ، من حيث التفتّ رأيته * يهدي إلى عينيك نورا ثاقبا
فقال لي بشار ، يلمّح إلى خلوقة الدثار :
لا تعجبوا من بلى غلالته * قد زرّ أزراره على القمر
فجاوبه زلال بتلميح تقبيح الابتذال :
ومن يبتذل عينيه في الناس لم يزل * يرى حاجة محجوبة لا ينالها
فقلت لبشار : إن كنت ريحا ، فقد لاقيت إعصارا ، فالزم الصمت وغضّ أبصارا . لكن الريح كان يحرّك العباب ، والهوى يلعب بالألباب ، والجنون شعبة من الشباب .
فقال له بشار : يا مطلع البشارة ، أريد القعود جنبك حتى أعينك تارة فتارة . فإنّ على الجار عونا لجاره . فقال : ليس بعشّك فادرجي ، وأخطأت استك فلا تبهرجي .
فقلت له : يا ألطف الخليقة ، وأظرف ذوي السليقة ، لا تخيبه فإنه لا يتنشّم في الحقيقة ، إلا شمّة من أردافك الأنيقة .
فقال مبتسما : تسألني برامتين شلجما . ثم أنشد :
وذاك له إذا العنقاء صارت * مربّية وشبّ ابن الخصيّ
فأبى أبو عمرة إلا ما أتاه ، وتاه في منزعه ومأتاه . فقال : يا زلال ، يا منبع الأوس والأفضال ، اجر بنا إلى ميسرة نضيرة ، مياهها غزيرة ، ورياضها للجنان نظيرة . فقال :
سقطت على صاحب الخبرة ، والعوان لا تعلّم الخمرة .
فأذهبنا إلى أن خرجنا بموضع يفعم نفحات أزهاره المشام ، وألقينا المراسي بذي رمرام .