فأعطيته شيئا مما تيسّر ، فأحرزه ولاح في وجهه الخفر . فناولني تفاحة أبرزها من جيبه الظريف ، على نهج التعريض والتلطيف . تفاحة تتسوّر العنبر والغالية ، ويغبن من استبدلها بقرطي مارية .
ولو عبقت في الشرق أنفاس طيبها * وفي الغرب مزكوم لعاد له الشمّ
فقلت له : يا غلالة الروح ، وطلالة الغبوق والصبوح ،
لغيري زكاة من جمال فإن يكن * زكاة جمال فاذكر ابن سبيل
كأني أردت به التعريض لقبلة الوداع . فقال : لا تطعم العبد الكراع ، فيطمع في الذراع .
ثم فاه وأنفاسه مطيبة برامك : السبيل أمامك ، فامش طالبا مرامك . ثم ودّع وأنشد ، كأنّ غراب البين غرّد :
إذا ما دعتك النفس يوما لحاجة * وكان عليها للخلاف طريق
فخالف هواها ما استطعت فإنما * هواها عدوّ والخلاف صديق
فقلت له :
من غاب عنكم نسيتموه * وروحه عندكم رهينه
أظنكم في الوفاء ممّن * صحبته صحبة السفينة
ثم انصرفت وداعي الشوق يهتف بي * ارفق بقلبك قد عزّت مطالبه
ثم قلت لبشار وهو أحير منّي ، من أوضاع ذلك الطرير الطرار :
تنقّل فلذّات الهوى في التنقّل * ورد كلّ صاف لا تقف عند منهل
هلمّ نتفيّأ ظلال هذه الحدائق ، ونتفرج بتلوّن الأزهار وتموّج الخلائق . عسى أن يرشّنا بدل الزلال بلل ، بمفهوم إن لم يكن وابل فطلّ . فأنشد :
فتظنّ سلمى أنّني أبغي بها * بدلا ، أراها في الضلال تهيم
هيهات يبدل العنبر بالغبار ، فالجحش لما فاتك الأعيار . طار الطاوس فلا يفيد الشبه والوله .
وقد يركب الصعب من لا ذلول له . فقلت له : ويحك كذّب النفس إذا حدّثتها ، وعظّم المطالب متى فتشتها . وغرّد وتمثّل ، بقول الشاعر الأمثل :
أعلّل النفس بالآمال أرقبها * ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
فإن الطير يطير بجناحه ، والمرء بهمته :
على قدر أهل العزم تأتي العزائم * وتأتي على قدر الكرام المكارم
وليس الرزق عن طلب الحثيث * ولكن ألق دلوك في الدلاء
تجيء بملئها طورا وطورا * تجيء بحمأة وقليل ماء
انتهى .