وحدث البحتري قال « 1 » : كنت صاحبا لأبي معشر المنجم « 2 » فدخلنا على المعتز بالله « 3 » وهو محبوس قبل أن يلي الخلافة ، فأنشدته « 4 » : ( الطويل )
جعلت فداك الدّهر ليس بمنفكّ * من الحادث المشكوّ والنازل المشكي
وما هذه الأيام إلّا منازل * فمن منزل رحب إلى منزل ضنك
وقد هذّبتك الحادثات ، وإنّما * صفا الذهب الإبريز قبلك بالسّبك
أما في رسول الله يوسف أسوة * لمثلك محبوسا على الظلم والإفك
أقام جميل الصّبر في الحبس برهة * فآل به الصبر الجميل إلى الملك
قال البحتري : فدفع « 5 » الورقة إلى خادم على رأسه ، وقال : احتفظ بها فلئن فرّج الله كربي لأقضينّ حقّ هذا الرجل . وكان أبو معشر قد أخذ مولده فحكم له بالخلافة بمقتضى طالع الوقت . فناوله رقعة فيها ذلك . فلما ولي الخلافة أعطى كلّ واحد منّا ألف دينار وأجرى له « 6 » في كلّ شهر مائة دينار .
وحدث ابن درستويه النحويّ « 7 » . قال : اجتمعنا على خلوة عند المبرد ومعنا البحتري فسلكنا مسلكا من المذاكرة ، ونزعنا منزعا من المحاضرة ، فقال البحتري :
هامش
( 1 ) الخبر في الفرج بعد الشدة 1 / 93 - 95 والفوات 3 / 320 .
( 2 ) هو جعفر بن محمد المنجم المشهور إمام وقته في فنه ، له تصانيف في علم التنجيم ( - 272 ه ) الوفيات 1 / 358 - 359 والأعلام 2 / 127 .
( 3 ) المعتز بالله هو محمد بن جعفر ويسمى أيضا الزبير بن جعفر ، الخليفة العباسي المعروف ، سجنه المستعين ثم بويع له بالخلافة عند عزل المستعين ( - 255 ه ) الأغاني 9 / 318 - 323 والفوات 3 / 319 - 321 والأعلام 6 / 70 .
( 4 ) أول مقطعة في سبعة أبيات في مدح القائد العباسي أبي سعيد محمد بن يوسف الثغري وقد حبس ، وقد أنشدها البحتري المعتزّ أيضا ، وهي في ديوانه 3 / 1563 - 1564 والأبيات الخمسة في أخبار البحتري 187 - 188 والمنتحل 264 والفوات 3 / 320 والبيت الأول في أخبار البحتري 98 .
( 5 ) د : فرفع ، وهو غلط .
( 6 ) د : منهما الف ديوار وأجرى لهما .
( 7 ) هو أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه ، قرأ على المبرد وبرع ، وكان من علماء النحو واللغة ( - 347 ه ) طبقات النحويين 127 والوفيات 3 / 44 - 45 .